تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن ، فكأن اللَّه - تعالى - يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند اللَّه : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم . ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند اللَّه فهاتوا مثله ، أو ادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونوكم في ذلك . ومما يشهد بصحة هذا الرأي أن الآيات التي تلى هذه الأحرف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل معجزة للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وكثيرا ما تبدأ هذه الآيات باسم الإشارة صراحة ، مثل قوله تعالى : ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيه أو ضمنا مثل قوله - تعالى - : في أول سورة الأعراف * ( المص . كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْه لِتُنْذِرَ بِه ) * وأيضا فإن هذه السور تجعل هدفها الأول منذ بدئها إلى نهايتها اثبات الرسالة عن طريق هذا الكتاب المنزل . هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء في الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب « البرهان » للزركشى ، وإلى كتاب « الإتقان » للسيوطي « 1 » . ثم مدح - سبحانه - الكتاب الذي أنزله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْه ) * . المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم ، وقيل : المراد به هنا السورة . وحرج الصدر ضيقه وغمه ، مأخوذ من الحرجة التي هي مجتمع الشجر المشتبك الملتف الذي لا يجد السالك فيه طريقا يخرج منه . والمعنى ، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين ، فبلغ تعاليمه للناس . ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدودا عنه ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب . ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأنه ساحر . أو مجنون ، كما وصفوا القرآن بأنه ليس من عند اللَّه ، فكان صلى اللَّه عليه وسلم يضيق صدره لذلك . قال تعالى : ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . فالمقصود بقوله - تعالى - : * ( كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْه ) * تقوية قلب
هامش
( 1 ) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 3 ص 1 للإمام السيوطي . طبعة مكتبة المشهد الحسيني .