الإقبال عليها والإيمان بها ، وهو نوع من زيادة الحسرة ، وقطع الآمال في النجاة بوضع يد المجرم على جسم جريمته ، وهو في الوقت نفسه نوع من زيادة الأمن والطمأنينة للرسل في القيام بدعوتهم وتبليغهم ما أمروا بتبليغه ، ولعل كل ذلك يرشد إليه قوله - تعالى - : * ( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنَّا غائِبِينَ ) * « 1 » .
ثم بين - سبحانه - مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال :
* ( والْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ومَنْ خَفَّتْ مَوازِينُه فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) * .
الوزن : عمل يعرف به قدر الشيء ، يقال : وزنته وزنا وزنة . وهو مبتدأ ، ويومئذ متعلق بمحذوف خبره . والحق صفته . أي : والوزن الحق يوم القيامة .
ومعنى الآيتين الكريمتين : والوزن الحق ثابت في ذلك اليوم الذي يسأل اللَّه فيه الرسل والمرسل إليهم . ويخبرهم جميعا بما كان منهم في الدنيا ، فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان والعمل الصالح ، فأولئك هم الفائزون بالثواب والنعيم ، ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصي فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب .
قال تعالى : ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ .
وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن فقال بعضهم : إن التي توزن هي صحائف الأعمال التي كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة ، وقطعا للمعذرة . قال ابن عمر : توزن صحائف أعمال العباد يوم القيامة » .
وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى ، والعدل التام في تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال ، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه . أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن .
والذي نراه أن من الواجب علينا أن نؤمن بأن في الآخرة وزنا للأعمال ، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء ، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجرى في ذلك اليوم الهائل الشديد ، أما كيفية هذا الوزن فمرده إلى اللَّه ، لأنه شيء استأثر اللَّه بعلمه ، وعلينا أن نعفي أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبي لم يرد في حقيقته خبر قاطع في كتاب اللَّه أو سنة رسوله .
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص 204 لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت - رحمه اللَّه - .