تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
قال الجمل في حاشيته على الجلالين : فإن قلت : أليس اللَّه - تعالى - يعلم مقادير أعمال العباد ، فما الحكمة في وزنها ؟ قلت فيه حكم : منها ، إظهار العدل وأن اللَّه - تعالى - لا يظلم عباده ، ومنها : امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى . ومنها تعريف العباد بما لهم من خير أو شر وحسنة أو سيئة ، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه - سبحانه - أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه « « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه ) * تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن ، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها ، كما أن خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها . وقوله - تعالى - : * ( بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) * متعلق بخسروا أي : أن خسرانهم لأنفسهم في الآخرة كان سببه جحودهم لآيات اللَّه واستهزاءهم بها في الدنيا . ثم حكى القرآن جانبا من مظاهر نعم اللَّه على خلقه فقال - تعالى - : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 10 إلى 11 ] ولَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) مكناكم : من التمكين بمعنى التمليك ، أو معناه : جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا وأقدرناكم على التصرف فيها ومعايش : جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وما تكون به الحياة . والمعنى : ولقد جعلنا لكم - يا بني آدم - مكانا وقرارا في الأرض ، وأقدرناكم على التصرف فيها ، وأنشأنا لكم فيها أنواعا شتى من المطاعم والمشارب التي تتعيشون بها عيشة راضية ، ولكن كثيرا منكم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والكفران . وفضلا عن ذلك فنحن الذين خلقنا أباكم آدم من طين غير مصور ، ثم صورناه بعد ذلك .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 122 .