تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الانتفاع المشروعة ، ولا تتبعوا وساوس الشيطان وطرقه في التحريم والتحليل كما اتبعها أهل الجاهلية ، إذ حرموا ما رزقهم اللَّه افتراء عليه ، إن الشيطان عداوته ، ظاهرة واضحة لكم ، فهو يمنعكم مما يحفظ روحكم ، ويطهر قلوبكم ، فالجملة الكريمة * ( إِنَّه لَكُمْ ) * تعليل للنهي عن اتباع خطوات الشيطان . ثم بين القرآن بعد ذلك بعض ما كان عليه الجاهليون من جهالات ، وناقشهم فيما أحلوه وحرموه مناقشة منطقية حكيمة فقال : * ( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ) * . وقوله - سبحانه - * ( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) * بدل من * ( حَمُولَةً وفَرْشاً ) * بناء على كونهما قسمين لجميع الأنعام على الراجح ، وقيل أن لفظ ثمانية منصوب بفعل مضمر أي : وأنشأ لكم ثمانية أزواج ، أو هو مفعول به لفعل * ( كُلُوا ) * وقوله * ( ولا تَتَّبِعُوا ) * . . . إلخ « معترض بينهما . والزوج يطلق على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل ، وكذا يطلق على الاثنين فهو مشترك والمراد هنا الإطلاق الأول . والمعنى : ثمانية أصناف خلقها اللَّه لكم ، لتنتفعوا بها أكلا وركوبا وحملا وحلبا وغير ذلك . ثم فصل اللَّه - تعالى - هذه الأزواج الثمانية فقال : * ( مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ) * أي . من الضأن زوجين اثنين هما الكبش والنعجة ، * ( ومِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ) * أي . ومن المعز زوجين اثنين هما التيس والعنز . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يبكتهم على جهلهم فقال * ( قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْه أَرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ) * . أي : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ وإلزامهم الحجة . أحرم اللَّه الذكرين وحدهما من الضأن والمعز أم الأنثيين وحدهما ، أم الأجنة التي اشتملت عليها أرحام إناث الزوجين كليهما سواء أكانت تلك الأجنة ذكورا أم إناثا ؟ وقوله : * ( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * أي : أخبروني بأمر معلوم من جهته - تعالى - جاءت به الأنبياء ، يدل على أنه - سبحانه - قد حرم شيئا مما حرمتموه إن كنتم صادقين في دعوى التحريم . والأمر هنا للتعجيز لأنهم لا دليل عندهم من العقل أو النقل على صحة تحريمهم لبعض الأنعام دون بعض . وقوله - تعالى - * ( ومِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ ) * عطف على قوله * ( مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ) * أي : وأنشأ لكم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197 | سيد محمد طنطاوي