تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ويرى بعض آخر من العلماء أن المراد بهذا الحق ما فصلته السنة النبوية من الزكاة المفروضة وهذه الآية مدنية وإن كانت السورة مكية . ويبدو لنا أن الرأي الأول أرجح ، لأنه لا دليل على أن هذه الآية مدنية ولأن فرضية الزكاة لا تمنع إعطاء الصدقات ، وفي الأمر بإيتاء هذا الحق يوم الحصاد ، مبالغة في العزم على المبادرة إليه . والمعنى : اعزموا على إيتاء هذا الحق واقصدوه ، واهتموا به يوم الحصاد حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . وقيل : إنما ذكر وقت الحصاد تخفيفا على أصحاب الزروع حتى لا يحسب عليهم ما أكل قبله . ثم ختمت الآية بالنهى عن الإسراف فقالت : * ( ولا تُسْرِفُوا إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) * . أي لا تسرفوا في أكلكم قبل الحصاد ولا في صدقاتكم ولا في أي شأن من شئونكم ، لأنه - سبحانه - لا يحب المسرفين . وقال ابن جريج ، نزلت في ثابت بن قيس ، قطع نخلا له فقال . لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته ، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة ، فنزلت هذه الآية . وقال عطاء ، نهوا عن السرف في كل شيء . وقال إياس بن معاوية ، ما جاوزت به أمر اللَّه فهو سرف . ثم بين - سبحانه - حال الأنعام . وأبطل ما تقولوه عليه في شأنها بالتحريم والتحليل فقال . * ( ومِنَ الأَنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشاً ) * . الحمولة ، هي الأنعام الكبار الصالحة للحمل . والفرش هي صغارها الدانية من الأرض ، مثل الفرش المفروش عليها . وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبغل وحمار . والفرش ما اتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش . أي : وأنشأ لكم - سبحانه - من الأنعام حمولة وهي ما تحملون عليه أثقالكم ، كما أنشأ لكم منها فرشا وهي صغارها التي تفرش للذبائح من الضأن والمعز والإبل والبقر . والجملة معطوفة على جنات . والجهة الجامعة بينهما إباحة الانتفاع بهما . وقوله * ( كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * . أي : كلوا مما رزقكم اللَّه من هذه الثمار والزروع والأنعام وغيرها ، وانتفعوا منها بسائر أنواع