تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
الثاني : على المنة منه - سبحانه - علينا ، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم ، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجنى ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ، لأنه لا يجب عليه شيء . الثالث : على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة اللَّه الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأت فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته : الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجنى الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها وأين الفلاسفة وأسسها ، هل هي في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان أو ترتب هذا الترتيب العجيب . كلا ، لا يتم ذلك في العقول إلا لحى قادر عالم مريد ، فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية . ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على اللَّه الكذب . وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم « « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - المقصود من خلق هذه الأشياء فقال : * ( كُلُوا مِنْ ثَمَرِه إِذا أَثْمَرَ ) * أي : كلوا من ثمر تلك الزروع والأشجار التي أنشأناها لكم ، شاكرين اللَّه على ذلك . والأمر للإباحة . وفائدة التقييد بقوله * ( إِذا أَثْمَرَ ) * إباحة الأكل قبل النضوج والإدراك . وقيل فائدته : الترخيص للمالك في الأكل من قبل أداء حق اللَّه - تعالى - لأنه لما أوجب الحق فيه ربما يتبادر إلى الأذهان أنه يحرم على المالك تناول شيء منه لمكان شركة المساكين له فيه ، فأباح اللَّه له هذا الأكل . ثم أمرهم - سبحانه - بأداء حقوق الفقراء والمحتاجين مما رزقهم فقال : * ( وآتُوا حَقَّه يَوْمَ حَصادِه ) * أي : كلوا من ثمر ما أنشأنا لكم ، وأدوا حق اللَّه فيه للفقراء والمحتاجين يوم حصاده . ويرى بعض العلماء أن المراد بهذا الحق الصدقة بوجه عام على المستحقين لها ، بأن يوزع صاحب الزرع منه عند حصاده على المساكين والبائسين ما يسد حاجتهم بدون إسراف أو تقتير . وأصحاب هذا الرأي فسروا هذا الحق بالصدقة الواجبة من غير تحديد للمقدار وليس بالزكاة المفروضة لأن الآية مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة . وهم يرون أن هذا الحق لم ينسخ بالزكاة المفروضة ، بل على صاحب الزرع أن يطعم منه المحتاجين عند حصاده .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 99 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 195 | سيد محمد طنطاوي