لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما ، كقوله : « يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ، وإنما يخرجان من أحدهما وهو الماء الملح دون العذب .
قال أبو السعود : والمعنى : ألم يأتكم رسل من جملتكم : لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معا بل من الإنس خاصة ، وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب اتباعهم ، والإيذان بتقاربهما ذاتا ، واتحادهما تكليفا وخطابا . كأنهما من جنس واحد ، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر ، وإما لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل ، وقد ثبت أن الجن استمعوا إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأنذروا بما سمعوه . أقوامهم ، إذ حكى القرآن عنهم أنهم وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ وأنهم قالوا لهم : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً « 1 » .
وقال صاحب المنار ، وجملة القول في الخلاف أنه ليس في المسألة نص قطعي ، والظواهر التي استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإنس ، لأن الكلام معهم ، وليست أقوى من ظاهر ما استدل به من قال إن الرسل من الفريقين . والجن عالم غيبي لا نعرف عنه ألا ما ورد به النص . وقد دل القرآن وكذا السنة على رسالة نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم إليهم ، فنحن نؤمن بما ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى اللَّه - تعالى - « « 2 » .
ثم يحكى القرآن أنهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفر فقال : الُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا أن الرسل قد بشرونا وأنذرونا ، ولم يقصروا في تبليغنا وإرشادنا .
وقوله - سبحانه - غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي غرهم متاع الحياة الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة ، فاستحبوا العمى على الهدى ، وباعوا آخرتهم بدنياهم . شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ أي : شهدوا على أنفسهم عندما وقفوا بين يدي اللَّه للحساب في الآخرة أنهم كانوا كافرين في الدنيا بما جاءتهم به الرسل .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما لهم مقرين في هذه الآية - على أنفسهم بالكفر - جاحدين في قوله واللَّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ؟ قلت . يوم القيامة يوم طويل ، والأحوال فيه مختلفة فتارة يقرون وأخرى يجحدون ، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه . أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم . فإن قلت : لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم ؟ قلت :
الأولى : حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون .
هامش
( 1 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 137 .
( 2 ) تفسير المنار ج 8 ص 107 .