تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
بخلاف اللام على أن * ( أَنْ ) * مصدرية ، أو مخففة من أن وضمير الشأن اسمها . وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ ذلك ، أو فعلنا ذلك . وفي قوله * ( بِظُلْمٍ ) * متعلق بمهلك أي : بسبب ظلم . أو بمحذوف وقع حالا من القرى أي : ملتبسة بظلم . . . « « 1 » . والمعنى : ذلك الذي ذكرناه لك يا محمد من إتيان الرسل يقصون على الأمم آيات اللَّه ، سببه أن ربك لم يكن من شأنه ولا من سننه في تربية خلقه أن يهلك القرى من أجل أي ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه ، وينهوا عنه بواسطة الأنبياء والمرسلين ، فربك لا يظلم ، ولا يعذب أحدا وهو غافل لم ينذر قال - تعالى - وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وقال - تعالى - وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ . فالآية الكريمة صريحة في أن - سبحانه - قد أعذر إلى الثقلين بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وتبيين الآيات ، وإلزام الحجة رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . ثم بين - سبحانه - أن الدرجات إنما هي على حسب الأعمال فقال - تعالى - * ( ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) * أي : ولكل من المكلفين جنا كانوا أو إنسا درجات أي منازل ومراتب * ( مِمَّا عَمِلُوا ) * أي : من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة أو من أجل أعمالهم إذ الجزاء من جنس العمل والعمل متروك للناس يتسابقون فيه ، والجزاء ينتظرهم عادلا لا ظلم فيه . * ( وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) * بل هو عالم بأعمالهم ومحصيها عليهم ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . ثم صرح - سبحانه - بغناه عن كل عمل وعن كل عامل ، وبأنه هو صاحب الرحمة الواسعة ، والقدرة النافذة فقال : * ( ورَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ) * . أي : وربك يا محمد هو الغنى عن جميع خلقه من كل الوجوه ، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ، وهو وحده صاحب الرحمة الواسعة العامة التي شملت جميع خلقه . والجملة الكريمة تفيد الحصر . وقوله : وربك مبتدأ ، والغنى خبره ، وقوله * ( ذُو الرَّحْمَةِ ) * خبر بعد خبر . وجوز أن يكون هو الخبر و « الغنى » صفة لربك . وفي هذه الجملة تنبيه إلى أن ما سبق ذكره من إرسال الرسل وغيره ، ليس لنفعه - سبحانه - ،
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 88 .