ظالما مثلهم . فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم « « 1 » .
وقال ابن كثير : معنى الآية الكريمة : كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن ، كذلك نفعل بالظالمين ، نسلط بعضهم على بعض ، ونهلك بعضهم ببعض ، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم « « 2 » .
وقال الفضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم . فقف وانظر فيه متعجبا .
فالآية الكريمة تصور لنا مشهدا واقعا في حياة الأمم ، وهو أن الظالمين من الناس يوالى بعضهم بعضا ، ويناصر بعضهم بعضا ، بسبب ما بينهم من صلات في المشارب والأهداف والطباع وأن الأمة التي لا تتمسك بمبدأ العدالة بل تسودها روح الظلم والاعتداء يكون حكامها عادة على شاكلتها لأن الحاكم الظالم لا يستطيع البقاء عادة في مجتمع أفراده تسودهم العدالة والشجاعة في الحق .
والآية في الوقت ذاته تهدد الظالمين ، وتتوعدهم بسوء المصير إذا لم يقلعوا عن ظلمهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، ويقيدوا أنفسهم بمبدأ العدالة ورعاية الحق ثم بعد هذا التعقيب بتلك الآية التي بينت طبيعة الأشرار يعود القرآن إلى سؤال الإنس والجن فيقول : أمَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ويُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ؟ .
قال الإمام ابن جرير : وهذا خبر من اللَّه - جل ثناؤه - عما هو قائل يوم القيامة ، لهؤلاء العادلين به من مشركي الإنس والجن ، يخبر أنه - تعالى - يقول لهم : أمَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي يقول : يخبرونكم بما أوحى إليهم من تنبيهي إياكم على مواضع حججي ، وتعريفى لكم أدلتى على توحيدي وتصديقي أنبيائي والعمل بأمري والانتهاء إلى حدودي ، يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يقول : يحذرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وعقابي على معصيتكم إياي فتنتهوا عن معاصي ، وهذا من اللَّه - تعالى - تقريع لهم وتوبيخ على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي ومعناه ، قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة ، وينذرونكم وعيد اللَّه ، فلم تقبلوا ولم تتذكروا « « 3 » .
وقوله سُلٌ مِنْكُمْ استدل به من قال إن اللَّه قد أرسل رسلا من الجن إلى أبناء جنسهم إلا أن جمهور العلماء يخالفون ذلك ويرون أن الرسل جميعا من الإنس ، وإنما قيل : رسل منكم
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 151 .
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 177 .
( 3 ) تفسير ابن جرير ج 8 ص 27 .