تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
بل لترحمه على العباد ، وتمهيد لقوله بعد ذلك . * ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ ) * أي : أنه - سبحانه - إن يشأ إذهابكم أيها الناس بالإهلاك لفعل ذلك فهو قدير على كل شيء وعلى أن ينشئ بعد إذهابكم ما يشاء من الخلق الذين يعملون بطاعته ، ولا يكونون أمثالكم . والكاف في قوله : * ( كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) * في موضع نصب والمعنى : إن اللَّه - تعالى - قادر على أن يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافه مثل ما أنشأكم من ذرية قوم آخرين . ونظيره قوله - تعالى - إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّه عَلى ذلِكَ قَدِيراً وقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّه واللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ . ثم بين - سبحانه - أن أمر البعث والحساب كائن لا ريب فيه فقال : * ( إِنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) * . أي : « إن ما توعدون من أمر القيامة والحساب ، والعقاب والثواب لواقع لا شك فيه ، وما أنتم بمعجزين ، أي : بجاعليه عاجزا عنكم ، غير قادر على إدراككم . من أعجزه بمعنى جعله عاجزا . أو : بفائتين العذاب ، من أعجزه الأمر . إذا فاته . أي لا مهرب لكم من عذابنا بل هو مدرككم لا محالة . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن ينفض يده من هؤلاء المشركين ، وإن يتركهم لأنفسهم . وأن ينذرهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في كفرهم فقال - تعالى - * ( قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . مَنْ تَكُونُ لَه عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) * . أي : قل يا محمد لهؤلاء المصرين على كفرهم اعملوا على غاية تمكنكم من أمركم ، وأقصى استطاعتكم . مصدر مكن - ككرم - مكانة ، إذا تمكن أبلغ التمكن وأقواه ، أو المعنى اعملوا على جهتكم واثبتوا على كفركم وحالتكم التي أنتم عليها من قولهم . مكان ومكانة كمقام ومقامة . قال الزمخشري : يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : مكانك يا فلان أي : أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه . والأمر للتهديد والوعيد ، وإظهار ما هو عليه صلى اللَّه عليه وسلم في غاية التصلب في الدين ، ونهاية الوثوق بأمره ، وعدم المبالاة بأعدائه أصلا . وقوله * ( إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * أي : إني عامل على مكانتى ، ثابت على الإسلام لا أتزحزح عن الدعوة إليه ، فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدنيا . وقوله : * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * بجانب إفادته للإنذار ، فيه إنصاف في المقال ، وحسن أدب في