الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض ، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ، أو أن يكون من قول الموتور - أي المظلوم - الذي ظفر بواتره ، ولم يزل يحرق عليه أنيابه ، وقد طلب أن ينفس عن خناقه . أهلكنى اللَّه إن نفست عنك إلا إذا شئت ، علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنت والتشديد . فيكون قوله إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع تهكم بالموعد لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع « 1 » .
ومنها : ما نقل عن ابن عباس أنه - تعالى - استثنى قوما قد سبق في علمه أنهم يدخلون في الإسلام ، وهو مبنى على أن الاستثناء . ليس من المحكي وأن « ما » بمعنى « من » .
ومنها : أنهم تفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم . فهم فيها إلا الوقت الذي يخرجون منها متجهين إلى الجنة حيث تقفل في وجوههم ليكون ذلك أعظم في حسرتهم .
ومنها : أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار . أي : إلا وقت مشيئة اللَّه فناءها وزوال عذابها . وهي مسألة خلافية بين العلماء .
وهناك أقوال أخرى لا مجال لذكرها . والقول الذي نرجحه ونعتمده هو الذي سقناه أولا كما أشرنا إلى ذلك من قبل لأنه قول المحققين من العلماء ولأنه يتناسب مع ما يليق بذات اللَّه من كمال قدرته . ونفاذ إرادته .
وجملة « إن ربك حكيم عليم » تسلية لبيان ما تقتضيه حكمته وإرادته . أي : إن ربك حكيم في التعذيب والإثابة وفي كل أفعاله . عليم بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من جزاء .
ثم يعقب القرآن على هذا الاستمتاع المتبادل بين الضالين والمضلين من الجن والإنس فيقول : * ( وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * .
ونولي : من الولاية بمعنى القرابة ، والنصرة ، والمحالفة وما إلى ذلك من أنواع الاتصال .
أي : ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لما بينهم من التناسب والمشاكلة ، نولي بعض الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم بأن نجعلهم يزينون لهم السيئات ، ويؤثرون فيهم بالإغواء . بسبب ما كانوا مستمرين على اكتسابه من الكفر والمعاصي .
قال الإمام الرازي : « لأن الجنسية علة الضم » فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث . وكذا القول في الأرواح الطاهرة ، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية . ثم قال : والآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فاللَّه - تعالى - يسلط عليهم
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 65 .