تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
المعشر : الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا أو الذين يربطهم أمر مشترك بينهم والمراد بالجن شياطينهم ومردتهم . والمعنى : واذكر يا محمد - أو أيها العاقل - يوم نحشر الضالين والمضلين جميعا من الإنس والجن ، فنقول للمضلين من الجن : * ( قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ ) * أي : قد أكثرتم من إغوائكم الإنس وإضلالكم إياهم ، أو قد أكثرتم منهم بأن جعلتموهم أتباعكم ، وأهل طاعتكم ، ووسوستكم لهم بالمعاصي حتى غررتموهم وأوردتموهم هذا المصير الأليم . و « يوم » منصوب على الظرفية والعامل فيه مقدر ، أي : اذكر يوم نحشرهم جميعا . والضمير المنصوب في « نحشرهم » لمن يحشر من الثقلين . وقيل للكفار الذين تتحدث عنهم هذه الآيات . ووجه الخطاب إلى معشر الجن ، لأنهم هم الأصل في إضلال أتباعهم من الإنس ، وهم السبب في صدهم عن السبيل القويم . والمقصود من هذا القول لهم توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر منهم من إغواء الغافلين من الإنس . وهنا يحكى القرآن رد الضالين من الإنس على هذا التوبيخ فيقول : * ( وقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ) * . أي : وقال الذين أطاعوهم وانقادوا لهم من الإنس يا ربنا ، لقد استمتع بعضنا ببعض . أي : انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على المفاسد وما يوصل إليها ، وانتفع الجن بالإنس ، حيث أطاعوهم واستجابوا لوسوستهم ، وخالفوا أمر ربهم . وقال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس . أي : فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت ، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة . وقيل : استمتاع الإنس بالجن معناه أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فنزل بأرض قفر خاف على نفسه من الجن فيقول . أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جوارهم . وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أنهم قالوا . سدنا الإنس حتى عاذوا بنا ، فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم . وقيل : استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة ، واستمتاع الجن بالإنس هو طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من المعاصي فصاروا كالرؤساء لهم . والذي نراه . أن استمتاع الجن بالإنس والإنس بالجن يتناول كل ذلك ، حيث انتفع كل