تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
فيهم بذلك ، كقولهم : ثبت عند فلان القاضي كذا أي : في حكمه ، ولذا قدم الصغار على العذاب لأنه يصيبهم في الدنيا . قال ابن كثير : ولما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا ، وهو التلطف في التحيل والخديعة ، قوبلوا بالعذاب الشديد من اللَّه يوم القيامة جزاء وفاقا ولا يظلم ربك أحدا . وجاء في الصحيحين عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال : هذه غدرة فلان بن فلان « والحكمة في ذلك أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس ، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل » « 1 » . ثم بين - سبحانه - حال المستعد لهداية الإسلام ، وحال المستعد للضلال فقال : * ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّه أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحْ صَدْرَه لِلإِسْلامِ ) * . أي : فمن يرد اللَّه أن يهديه للإسلام ، ويوفقه له ، يوسع صدره لقبوله ، ويسهله له بفضله وإحسانه . وشرح الصدر : توسعته ، يقال : شرح اللَّه صدره فانشرح ، أي : وسعه فاتسع ، وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها . مصفاة عما يمنعه وينافيه . روى عبد الرازق أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم سئل عن هذه الآية : كيف يشرح صدره ؟ فقال : « نور يقذف فينشرح له وينفسح ، قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت » « 2 » . وقوله : * ( ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً ) * أي ومن يرد أن يضله لسوء اختياره ، وإيثاره الضلالة على الهداية يصير صدره ضيقا متزايد الضيق لا منفذ فيه للإسلام . والحرج : مصدر حرج صدره حرجا فهو حرج ، أي : ضاق ضيقا شديدا . وصف به الضيق للمبالغة ، كأنه نفس الضيق ، وأصل الحرج مجتمع الشيء ويقال : للحديقة الملتفة الأشجار التي يصعب دخولها حرجة . وقرئ حرجا - بكسر الراء - صفة لقوله * ( ضَيِّقاً ) * . روى أن جماعة من الصحابة قرؤا أمام عمر - رضى اللَّه عنه - « ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا » بكسر الراء فقال عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم ؟ قال الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية . فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير « « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 174 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 174 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 2 .