تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وغير مفعول لأبتغى و * ( حَكَماً ) * إما أن يكون حالا لغير أو تمييزا له . وجملة * ( وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا ) * حالية مؤكدة للإنكار أي : أفغير اللَّه أطلب من يحكم بيني وبينكم ، والحال أنه - سبحانه - هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، أي مبينا فيه الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والخير والشر ، وغير ذلك من الأحكام التي أنتم في حاجة إليها في دينكم ودنياكم ، وأسند الإنزال إليهم لاستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى قبول حكمه ، لأن من نزل الشيء من أجله ، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه . ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على أن القرآن حق فقال : * ( والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّه مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) * . أي : والذين آتيناهم الكتاب أي التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن منزل عليك من ربك بالحق . لأنهم يجدون في كتبهم البشارات التي تبشر بك ، ولأن هذا القرآن الذي أنزله اللَّه عليك مصدق لكتبهم ومهيمن عليها . فهذه الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزلا من عند اللَّه ، لأن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من عند اللَّه . وقوله : * ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) * أي : فلا تكونن من الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق ، لأن عدم اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود ، وهذا النهى إنما هو زيادة في التوكيد ، وتثبيت لليقين ، كي لا يجول في خاطره طائف من التردد في هذا اليقين . قال ابن كثير : وهذا كقوله - تعالى - فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ قال : وهذا شرط ، والشرط لا يقتضى وقوعه ، ولهذا جاء عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لا أشك ولا أسأل » « 1 » . وقيل : الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه فلا ينبغي أن يشك في ذلك أحد . وقيل : الخطاب للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمقصود أمته ، لأنه صلى اللَّه عليه وسلم حاشاه من الشك . ثم بين - سبحانه - أن هذا الكتاب كامل من حيث ذاته بعد أن بين كماله من حيث إضافته إليه - تعالى - بكونه منزلا منه بالحق فقال - تعالى - : * ( وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا ) * وقرئ ( كلمات ربك ) .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 167 .