تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
الخبيث من الطيب . فدعهم يا محمد وما يفترون من الكفر وغيره من ألوان الشرور ، فسوف يعلمون سوء عاقبتهم . وقوله : * ( ولِتَصْغى إِلَيْه أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) * . معطوف على * ( غُرُوراً ) * فيكون علة أخرى للإيحاء ، والضمير في * ( إِلَيْه ) * يعود إلى زخرف القول . وأصل الصغو : الميل . يقال : صغا يصغو ويصغى صغوا ، وصغى يصغى صغا أي : مال ، وأصغى إليه مال إليه يسمعه ، وأصغى الإناء : أماله . ويقال : صغت الشمس والنجوم صغوا : مالت إلى الغروب . والمعنى : يوحى بعضهم إلى بعضهم زخرف القول ليغروا به الضعفاء ، ولتميل إلى هذا الزخرف الباطل من القول قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لموافقته لأهوائهم وشهواتهم . وخص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر - مع أنهم لا يؤمنون بأمور أخرى يجب الإيمان بها - لأن من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يمشى دائما وراء شهواته وأهوائه ولا يتبع إلا زخرف القول وباطله . ثم بين - سبحانه - تدرجهم السيئ في هذا العمل الأثيم فقال : * ( ولِيَرْضَوْه ولِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) * . أي : وليرضوا هذا الفعل الخبيث لأنفسهم بعد أن مالت إليه قلوبهم ، وليقترفوا ما هم مقترفون أي : وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الأعمال السيئة فإن اللَّه - تعالى - سيجازيهم عليها بما يستحقونه . وأصل القرف والاقتراف . قشر اللحاء عن الشجر ، والجلدة عن الجرح . واستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا ولكنه في الإساءة أكثر . فيقال : قرفته بكذا إذا عبته واتهمته . قال أبو حيان : وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة ، لأنه أولا يكون الخداع ، فيكون الميل ، فيكون الرضا ، فيكون الاقتراف ، فكل واحد مسبب عما قبله « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يصارح المشركين بأن اللَّه وحده هو الحكم الحق ، وإن كتابه هو الآية الكبرى الدالة على صدقه فيما يبلغه عنه فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير أبى حيان ج 4 ص 408 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 160 | سيد محمد طنطاوي