وذلك للتشديد في تنفيذها ، إذ هي مظنه الإهمال ، أو مظنة الإخفاء ، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس ، فكان من الأسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها ، وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها في الذكر .
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة ؟ قلت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها ، فكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين .
فإن قلت : ما معنى * ( أَوْ ) * ؟ قلت معناها الإباحة ، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما ، قدم على قسمة الميراث كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين . فأو هنا جيء بها للتسوية بينهما في الوجوب » « 1 » .
وقوله - تعالى - * ( غَيْرَ مُضَارٍّ ) * يفيد النهى للمورث عن إلحاق الضرر بورثته عن طريق الوصية أو بسبب الديون .
والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى المورث بأكثر من الثلث ، أو به فأقل مع قصده الإضرار بالورثة فقد روى النسائي في سننه عن ابن عباس أنه قال : الضرار في الوصية من الكبائر « . وقال قتادة : كره اللَّه الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه .
والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا للميراث عن الورثة ، أو يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه ، مع أنه لم يحصل شيء من ذلك .
وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهي قوله * ( غَيْرَ مُضَارٍّ ) * بعد حديثه عن ميراث الإخوة والأخوات من الأم ، تأكيدا لحقوقهم ، وتحريضا على أدائها ، لأن حقوقهم مظنة الضياع والإهمال . ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإخوة لأم .
وقوله * ( وَصِيَّةً مِنَ اللَّه ) * نصبت كلمة * ( وَصِيَّةٍ ) * فيه على أنها مصدر مؤكد أي : يوصيكم اللَّه بذلك وصية . والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم . والجار والمجرور وهو * ( مِنَ اللَّه ) * متعلق بمحذوف وقع صفة لوصية : أي وصية كائنة من اللَّه فمن خالفها كان مستحقا لعقابه .
وقوله * ( واللَّه عَلِيمٌ حَلِيمٌ ) * تذييل قصد به تربية المهابة في القلوب من خالقها العليم
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 48 .