وقد تكفلت كتب الفروع ببسط الكلام عن هذه الأحكام وأمثالها . هذا ، وقوله - تعالى - * ( يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا واللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * تذييل قصد به إظهار جانب من فضل اللَّه - تعالى - على عباده ، وتحذيرهم من مخالفة شرعه وأمره .
أي : يبين اللَّه لكم هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث كما يبين لكم غيرها خشية أن تضلوا طريق الحق في ذلك . بأن تعطوا من لا يستحق أو تهملوا من يستحق ، واللَّه - تعالى - عليم بكل شيء لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ، وسيحاسبكم على أعمالكم ، فيجازى المتبع لشرعه بالثواب العظيم ، ويجازى المخالف له بالعذاب الأليم .
والمفعول في قوله : * ( يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) * محذوف ، والمصدر المنسبك من أن والفعل مفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف أي : يبين اللَّه لكم الحلال والحرام وجميع الأحكام خشية أن تضلوا .
ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول قوله * ( يُبَيِّنُ ) * أي : يبين اللَّه لكم ضلالكم لتجتنبوه ، فإن الشر يعرف ليجتنب ، والخير يعرف ليفعل .
ويرى بعضهم أن الكلام على تقدير ( اللام ولا ) في طرفي « أن » والمعنى : يبين اللَّه لكم ذلك لئلا تضلوا .
ثم أما بعد : فهذا تفسير وسيط لسورة النساء .
تلك السورة التي نظمت المجتمع الإسلامي تنظيما دقيقا حكيما .
نظمته فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية . أما فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، فقد رأينا فيما سبق ، كيف ساقت الأحكام والآداب والتوجيهات التي تكون مجتمعا فاضلا ، يعرف الفرد فيه واجبه نحو خالقه ، وواجبه نحو نفسه ، وواجبه نحو غيره .
مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ثابتة من الأمان والاطمئنان ، والمحبة والمودة والوئام .
مجتمعا رجاله يكرمون نساءه ، ويعطفون عليهن ، ويعاشرونهن بالمعروف . ونساؤه يحترمن رجاله ، ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب ، وعفة ، وإخلاص ، ووفاء .
مجتمعا حكامه يحكمون بالعدل ، ويراقبون اللَّه في أقوالهم وأعمالهم . المحكومون فيه يطيعون حكامهم فيما يأمرونهم به من حق وخير .
مجتمعا يرى أفراده أن خيراته وأمواله . هي أمانة في أعناقهم جميعا ، وأن ثمارها ومنافعها ستعود عليهم جميعا . لذا فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه منها فيما يرضى اللَّه ، وفيما يعود
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 413
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤١٣