تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
ورضا نفس ، فكلوه أكلا سائغا ، حميد المغبة ، حلال الطعمة ، خاليا من شائبة الحرام والشبهات : والضمير المجرور في قوله * ( مِنْه ) * يعود إلى الصدقات أي المهور . وجئ به مفردا مذكرا ، لجريانه مجرى اسم الإشارة كأنه قيل : فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه . قال صاحب الكشاف : وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل : فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر . والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ، وتجافت عنه نفوسهن طيبات لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم ، ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم ، وسوء معاشرتكم فكلوه هنيئا مريئا » « 1 » . وقوله * ( نَفْساً ) * منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة في قوله * ( طِبْنَ ) * . . وهو محول عن الفاعل والأصل فان طابت أنفسهن عن شيء منه فكلوه . وجئ به مفردا لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه كقولك : عندي عشرون درهما . والمراد بالأكل في قوله * ( فَكُلُوه ) * مطلق التصرف والانتفاع . وإنما خص الأكل بالذكر ، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية . وقوله * ( هَنِيئاً مَرِيئاً ) * حالان من الضمير المنصوب في قوله * ( فَكُلُوه ) * أو منصوبان على أنهما نعت لمصدر محذوف . أي فكلوه أكلا هنيئا مريئا . وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ . يقال : هنؤ الطعام وهنيء هناءة . إذا كان سائغا لا تنغيص فيه . وقيل الهنيء ما أناك بلا مشقة ولا تبعة . ويقال مرأ الطعام - بتثليث الراء - مراءة فهو مريء ، إذا كان حميد المغبة والمراد المبالغة في تحليل ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن ، فقد كانوا يتأثمون من أخذ شيء من مهور نسائهم ، فقال اللَّه - تعالى - لهم : إن طابت نفوسهن بالتنازل عن شيء من مهورهن لكم فكلوه هنيئا مريئا ، لأنه حلال خالص من الشوائب . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أنه لا بد في النكاح من صداق يعطى للمرأة سواء أسمى ذلك في العقد أم لم يسم . قال القرطبي : وهو مجمع عليه ولا خلاف عليه « 2 »
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 471 بتصرف يسير . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 24 .