تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه . والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين » « 1 » . وقيل : إن الخطاب في الآية الكريمة للآباء ، والمراد من السفهاء الأولاد الذين لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه ، بل إذا أعطى لهم أفسدوه وأتلفوه . وعلى هذا الرأي تكون إضافة الأموال إلى المخاطبين على سبيل الحقيقة . ويكون المعنى : لا تؤتوا أيها الآباء أموالكم لأولادكم السفهاء لأن في إعطائكم إياها لهم إفسادا لهم مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم . والذي نراه أن الخطاب في الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال . وأن المراد بالسفهاء كل من لا يحسن المحافظة على ماله لصغره ، أو لضعف عقله ، أو لسوء تصرفاته سواء أكان من اليتامى أم من غيرهم لأن التعميم في الخطاب وفي الألفاظ - عند عدم وجود المخصص - أولى ، لأنه أوفر معنى ، وأوسع تشريعا . وفي إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين المكلفين من المسلمين إشارة بديعة إلى أن المال المتداول بينهم هو حق لمالكيه المختصين به في ظاهر الأمر ، ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأن وضعه في المواضع التي أمر اللَّه بها منفعة للأمة كلها ، وفي وضعه في المواضع التي نهى اللَّه عنها مضرة بالأمة كلها ، وتعاليم الإسلام التي تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة متكافلة متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين . وبعد أن نهى - سبحانه - عن إيتاء المال للسفهاء ، أمر بثلاثة أشياء ، أولها وثانيها قوله - تعالى - * ( وارْزُقُوهُمْ فِيها واكْسُوهُمْ ) * . أي اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم ، بأن تتجروا فيها حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من أصل المال لئلا يفنيه الإنفاق منه . وإنما قال : * ( وارْزُقُوهُمْ فِيها ) * ولم يقل « منها » لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويستثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال . أما الأمر الثالث فهو قوله - تعالى - : * ( وقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً ) * . والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس لموافقته للشرع وللعقول السليمة ، كأن يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم ، وكأن يعدوهم عدة حسنة بأن يقولوا لهم : إذا صلحتم
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 13 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 41 | سيد محمد طنطاوي