الراسخون في ظلماته ، وأعتدنا أي وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم .
وقوله * ( حَقًّا ) * مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ، وعامله محذوف أي : أولئك الكافرون حق ذلك حقا . ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف . أي أولئك هم الكافرون كفرا حقا أي :
كفرا كاملا لا شك في وقوعه منهم وانغماسهم فيه .
هذا هو شأن الكافرين باللَّه ورسله ، وتلك هي عاقبتهم أما المؤمنين الصادقون فقد بشرهم اللَّه بقوله : * ( والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ) * حق الإيمان وآمنوا * ( رُسُلِه ) * جميعا * ( ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) * أي : لم يفرقوا في الإيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا .
* ( أُولئِكَ ) * الذين استقر الإيمان الكامل في قلوبهم ، والذين وصفهم اللَّه - تعالى - بتلك الأوصاف الحميدة * ( سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ ) * اللَّه - تعالى - * ( أُجُورَهُمْ ) * التي وعدهم بها * ( وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ) * أي : وكان اللَّه وما زال كثير المغفرة والرحمة لمن هذه صفاتهم ، وتلك نعوتهم .
والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذي وعدهم اللَّه به ، وللدلالة على أنه كائن لا محاولة وإن تراخى . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ليقلع الناس عن الكفر والمعاصي ، ويستجيبوا لأوامر اللَّه لينالوا رضاه .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأسئلة المتعنتة التي كان اليهود يوجهونها إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومن النعم التي أنعم - سبحانه - بها عليهم ومن المنكرات التي قالوها وفعلوها ، ومن العقوبات التي عاقبهم اللَّه بها بسبب ظلمهم وفسوقهم . . استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 153 إلى 162 ]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ( 153 ) ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 154 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّه وقَتْلِهِمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 155 ) وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه وما قَتَلُوه وما صَلَبُوه ولكِنْ شُبِّه لَهُمْ وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه لَفِي شَكٍّ مِنْه ما لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وما قَتَلُوه يَقِيناً ( 157 )
بَلْ رَفَعَه اللَّه إِلَيْه وكانَ اللَّه عَزِيزاً حَكِيماً ( 158 ) وإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِه قَبْلَ مَوْتِه ويَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 ) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه كَثِيراً ( 160 ) وأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وقَدْ نُهُوا عَنْه وأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 ) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ والْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ والْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والْمُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ( 162 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 368
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٦٨