تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
للمنافقين مبالغة في الكشف عن قبائحهم وفي التحذير من شرورهم فتقول : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّه وهُوَ خادِعُهُمْ ، وإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ، يُراؤُنَ النَّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا . مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ ولا إِلى هؤُلاءِ ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَلَنْ تَجِدَ لَه سَبِيلًا . وقوله : يُخادِعُونَ من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره ، ويستر حقيقته . قال الراغب : الخداع : إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه . . . ويقال : طريق خادع وخيدع . أي : مضل كأنه يخدع سالكه . وفي الحديث : ( بين يدي الساعة سنون خداعة ) أي : محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة « 1 » . وقوله : خادِعُهُمْ اسم فاعل من خادعته فخذعته إذا غلبته وكنت أخدع منه . والمعنى : إن المنافقين لسوء طواياهم ، وخبث نواياهم يُخادِعُونَ اللَّه أي : يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإيمان ويبطنوا الكفر وهُوَ خادِعُهُمْ أي : وهو فاعل بهم ما يفعله الذي يغلب غيره في الخداع ، حيث تركهم في الدنيا معصومى الدماء والأموال . وأعدلهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار . ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم للَّه مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف . أي : إن المنافقين يخادعون رسول اللَّه والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّه وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهي قوله يُخادِعُونَ ، للإشعار بأنهم قد ينجحون في خداعهم وقد لا ينجحون . وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل ، للدلالة على الغلب والقهر . لأن اللَّه - تعالى - كاشف أمرهم ، ومزيل مغبة خداعهم ، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات . وقوله : وإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى بيان للون آخر من قبائحهم . وكُسالى جمع كسلان وهو الذي يعتريه الفتور في أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها . وهي حال لازمة من ضمير قاموا أي : إن هؤلاء المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة ، قاموا متثاقلين
هامش
( 1 ) مفردات القرآن ص 144