تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين . وهي أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه آخر . أي أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة . استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : * ( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّه قالُوا : أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ وإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا : أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ونَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * ؟ . وقوله : * ( يَتَرَبَّصُونَ ) * من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث . يقال : تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة . وقوله : * ( نَسْتَحْوِذْ ) * من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء ، يقال : استحوذ فلان على فلان أي : غلب عليه وتمكن منه . ومنه قوله - تعالى - اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّه . والمعنى : إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم . أي : ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر ، أو من نصر أو هزيمة * ( فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّه ) * أي : نصر وظفر على أعدائكم * ( قالُوا ) * على سبيل التقرب إليكم * ( أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) * في الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذي أصبتموه . * ( وإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ ) * أي حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - * ( قالُوا ) * لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم * ( أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ونَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * أي : ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك ، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم ، وتجسسنا على أحوالهم . وإخباركم بما يهمكم من شؤونهم ، وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم . فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا في أي مكان كانت . وعبر عن النصر في جانب المؤمنين بأنه فتح ، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب ، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين . ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكي يدركه الناس ، ويدخلوا في دين اللَّه أفواجا ، ولأن الفتح من اللَّه يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم . قال صاحب الانتصاف : وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن ، فإن الذي يتفق للمسلمين فيه : استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطئوها . وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التي لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا . فالتفريق بينهما أيضا
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 354 | سيد محمد طنطاوي