تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
الراضي بالكفر بآيات اللَّه وبالاستهزاء بها . يكون بعيدا عن حقيقة الإيمان ، ومستحقا للعقوبة من اللَّه - تعالى - قال صاحب الكشاف ، فإن قلت : لم يكونون مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض ؟ قلت : لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين . والراضي بالكفر كافر فإن قلت : فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين ؟ قلت : لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم . وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإنكار لرضاهم « 1 » . وقال القرطبي : فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر ، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم ، والرضا بالكفر كفر . قال اللَّه - تعالى - * ( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) * . فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء . وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية . وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر ، فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم . فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية * ( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) * أي أن الرضا بالمعصية معصية . ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة العاصي حتى يهلكوا جميعا . وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة « 2 » « . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال : * ( إِنَّ اللَّه جامِعُ الْمُنافِقِينَ والْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) * لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر بآيات اللَّه والاستهزاء بها والتواصي بالشرور والآثام ، فسيجمعهم اللَّه جميعا في جهنم يوم القيامة ، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات . فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات اللَّه والمستهزئين بها ، لأن أول الشر سماع الشر ، ولأن أول مراتب ضعف الإيمان أن تفتر حماسة المؤمن في الدفاع عن الحق الذي آمن به . ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقولة تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم . . وإما أن يقاطع المجالس التي لا يحترم فيها دين اللَّه . أما السكوت عن ذلك باسم التغاضي أو التسامح أو المرونة . أو بغير ذلك من الأسماء ، فهذا أول مراتب النفاق الذي يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 588 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 418 .