تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
علمها عند العرب الذين خاطبهم اللَّه بالقرآن فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا شرعا . وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا قطعا . كما أننا نحكم على من مشى يوما وليلة أنه كان مسافرا ، لحديث « لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها » وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين . وعليه عول مالك . ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه ، فقد روى مرة « يوما وليلة » ومرة « ثلاثة أيام » . . . ثم قال القرطبي : واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة . فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم . . واختلفوا فيما سوى ذلك . فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة وغيرها . وعلى أنه لا قصر في سفر المعصية كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما . ثم قال : واختلف العلماء في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم . فقال مالك والشافعي والليث بن سعد : إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا نوى الإقامة خمس عشرة ليلة أتم ، وإن كان أقل من ذلك قصر « 1 » . 2 - ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر ، وأن المراد بالقصر في قوله « أن تقصروا من الصلاة » هو القصر في الكمية أي في عدد الركعات ، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين ، وأن حكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا . وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه : وقوله - تعالى - * ( إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية . إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة . بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام ، أو سرية خاصة ، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله . والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له . كقوله - تعالى - ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وقوله - تعالى - ورَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ . ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس . أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم : خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا اللَّه رب العالمين فصلى ركعتين .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 354 وما بعدها .