تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير . ثم اختلفوا في أيهما أفضل ، فقال بعضهم : القصر أفضل . . وقيل : الإتمام أفضل » « 1 » . أما بالنسبة لمسافة السفر التي يجوز معها قصر الصلاة للعلماء فيها أقوال منها : أن السفر الذي يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد . وهذا رأى الأحناف . ومن حججهم قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها » وأيضا ورد أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم ، فدل هذا على أن ما دون الثلاث لا يعد سفرا ، بل هو في حكم الإقامة ، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج بدون محرم وعدمه . وأيضا فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة أيام . أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط ، وذلك لما رواه ابن عباس أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد . من مكة إلى عسفان ، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم فقط . ويرى داود الظاهري وأتباعه أن القصر في كل ما يسمى سفرا ، سواء أكان قصيرا أم طويلا لأن المدار عندهم في تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب في الأرض ، ولأن كلمة الضرب في الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة . وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها : أن الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان . وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون سببا في الرخصة ، فلا بد أن يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا ، وقد بينت السنة النبوية الشريفة مقداره على خلاف في الروايات . هذا ، وقد حكى القرطبي أقوال بعض العلماء في نقد أولئك الذين يأخذون الأمور بظواهرها بدون فهم سليم فقال : قال ابن العربي : وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب ، أو مستخف بالدين . ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني ، ولا أفكر فيه بفضول قلبي . ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة . وإنما كان كذلك ، لأنها كانت لفظة عربية مستقر
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 351 .