تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
والمراد بقوله * ( إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) * أي : إلا أن يتبرع بها أولياء المقتول على سبيل العفو والصفح . وعبر عن ذلك بقوله * ( يَصَّدَّقُوا ) * للإشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب فيه وأنه بمنزلة الصدقة التي لهم ثوابها الجزيل عند اللَّه - تعالى - لا سيما إذا كان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة بأولياء القاتل وشفقة عليهم ، وفي الحديث الشريف كل معروف صدقة . ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال * ( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) * . أي : فإن كان المقتول خطأ * ( مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ) * أي محاربين لكم ، * ( وهُوَ مُؤْمِنٌ ) * أي وكان المقتول مؤمنا ولم يعلم به القاتل ، لكونه بين أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم ، أو أتاهم بعد أن فارقهم لأمر من الأمور ، فعلى القاتل في هذه الحالة * ( تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) * كفارة عن هذا القتل الخطأ ، وليس عليه دية ، لأن أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين المؤمن والكفار ، ولأن دفع الدية إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير المعقول أن ندفع لأعدائنا ما يتقوون به علينا . روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال : كان الرجل يأتي النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون . فيصيبه المسلمون في سرية أو غزوة . فيعتق الذي يصيبه رقبة . ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق فقال - تعالى - : * ( وإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِه وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) * . أي : وإن كان المقتول خطأ * ( مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) * أي : من قوم بينكم وبينهم - أيها المؤمنون - عهد من هدنة أو أمان وهم على دينهم وأنتم على دينكم ، فعلى القاتل في هذه الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل ، لأن حكمهم كحكم المسلمين ، وعليه كذلك * ( تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) * لتكون كفارة له عند اللَّه ، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء في صدر الآية ، للإشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل في دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم الاعتداء . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد جعل الحكم في قتل المعاهد كالحكم في قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة ، وبعضهم يرى أن المراد بالمقتول خطأ هنا المسلم الذي هو في قوم معاهدين وأن الدية لا تدفع لهؤلاء القوم فيكون معنى الآية : وإن كان أي المقتول المؤمن * ( مِنْ قَوْمٍ ) * كفار