روى المفسرون روايات في سبب نزول قوله - تعالى - * ( وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ) * . . الآية ومن أشهر هذه الروايات ما جاء عن مجاهد وغيره أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعه ، وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه لكي يترك الإسلام ، فأضمر عياش قتل ذلك الرجل . ثم أسلم هذا الرجل دون أن يعلم عياش بإسلامه . فلما لقيه في يوم من الأيام ظن عياش أن الرجل لم يزل مشركا فقتله . فلما علم بإسلامه أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل اللَّه الآية « 1 » .
والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت في حادثة معينة إلا أن حكمها يتناول كل من قتل غيره خطأ ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
والنفي في قوله - تعالى - * ( وما كانَ ) * ليس لنفى الوقوع ، لأنه لو كان كذلك ما وقع قتل على سبيل الخطأ أبدا ، وإنما النفي بمعنى النهى وعدم الجواز .
وقد أشار القرطبي إلى ذلك بقوله : قوله - تعالى - * ( وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ) * هذه آية من أمهات الأحكام . والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، فقوله : * ( وما كانَ ) * ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهى كقوله : وما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط ، لأن ما نفاه اللَّه فلا يجوز وجوده فهو كقوله - تعالى - ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا . ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي يكون فيه « إلا » بمعنى لكن .
والتقدير : ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا . والخطأ : اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد ، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء . ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره : أخطأ . ولمن فعل غير الصواب : أخطأ » « 2 » .
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت . بم انتصب خطأ ؟ قلت : بأنه مفعول له . أي :
ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده . ويجوز أن يكون حالا بمعنى : لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ . وأن يكون صفة للمصدر أي : إلا قتلا خطأ . والمعنى ، أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد ، بأن يرمى كافرا فيصيب مسلما . أو يرمى شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم « 3 » .
ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ فقال : * ( ومَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِه إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) * .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 534 بتصرف يسير .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 312 .
( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 548 .