تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
قوله * ( فَتَحْرِيرُ ) * ، التحرير : الإعتاق وهو تفعيل من الحرية . أي جعل الرقبة حرة . وهو مبتدأ محذوف الخبر أي : فعليه تحرير رقبة مؤمنة . وقوله : * ( ودِيَةٌ ) * الدية ما يعطى عوضا من دم القتيل إلى وليه . وهي مأخوذة من الودي كالعدة من الوعد . يقال : ودى القاتل القتيل يديه دية إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس . وسمى المال دية تسمية بالمصدر . والمعنى : أن المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن يقتل أخاه المؤمن ، لأن ذلك محرم تحريما قاطعا ، لكن إن وقع منه القتل له على سبيل الخطأ فإن دم القتيل لا يذهب هدرا ، بل على من قتل أخاه المؤمن خطأ « تحرير رقبة مؤمنة » أي : إعتاق نفس مؤمنة ، وعليه كذلك * ( دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِه ) * أي : مؤداة إلى ورثة القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم . وقوله * ( إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) * أي إلا أن يتصدق أهل القتيل بهذه الدية على القاتل ، بأن يتنازلوا عنها له على سبيل العفو والصفح . وعبر - سبحانه - عن العتق بالتحرير في قوله * ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) * للاشعار بأن الحرية للعبيد مقصد من مقاصد الإسلام ، وأن شريعته قد أوجبت على أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا في بعض الأخطاء حتى يتحرر أكبر عدد من الرقاب . والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل بالجزء . وكان التعبير بذلك للإشارة إلى أن الرق غل معنوي في الرقاب ، وأن المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي يبذل قصارى جهده في فك الرقاب من قيدها . وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة ، إذ الإسلام يحرص على تحرير الأرقاء المؤمنين دون الكافرين . قال ابن كثير : وجمهور الفقهاء على أن الرقبة المؤمنة تجزئ سواء أكانت صغيرة أم كبيرة فقد أخرج الإمام أحمد عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال : يا رسول اللَّه ، إن على عتق رقبة مؤمنة . فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها . فقال لها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « أتشهدين أن لا إله إلا اللَّه ؟ قالت : نعم . قال : أتشهدين أنى رسول اللَّه ؟ قالت : نعم قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت : نعم . قال : أعتقها » « 1 » . ويرى بعضهم أنه لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة التي صلت وعقلت الإيمان ، أما الصغيرة فإنها لا تجزئ .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 534