تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
فرصة تمرد دون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار ، وأنهم حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين ، وحملهم على أن يكونوا مع القاعدين كما هو شأن المنافقين . والمراد بقوله * ( مِنْكُمْ ) * أي من جنسكم وممن يعيشون معكم ويساكنونكم ، ويرتبطون معكم برباط القرابة ، ويتظاهرون بالإسلام ، فلقد كان المنافقون في المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين ، كما هو معروف في التاريخ الإسلامي . فمثلا عبد اللَّه بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - كان أحد أبنائه من المؤمنين الصادقين . وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكي يكشف لهم عن المنافقين المندسين في صفوفهم لكي يحذروهم ، قال صاحب الكشاف : واللام في قوله * ( لَمَنْ ) * للابتداء بمنزلتها في قوله إِنَّ اللَّه لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وفي * ( لَيُبَطِّئَنَّ ) * جواب قسم محذوف تقديره : وإن منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن وجوابه صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن في * ( لَيُبَطِّئَنَّ ) * . والخطاب لعسكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم » « 1 » . وقوله * ( فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ) * بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد ، وما نطقت به ألسنتهم من سوء . أي : وإن من المتظاهرين بأنهم منكم - يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون عن القتال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم ، * ( فَإِنْ أَصابَتْكُمْ ) * يا معشر المؤمنين * ( مُصِيبَةٌ ) * كهزيمة وقتية ، أو استشهاد جماعة منكم * ( قالَ ) * هذا المنافق على سبيل الفرح والتشفي * ( قَدْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيَّ ) * أي : قد أكرمني اللَّه بالقعود * ( إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ) * أي حاضرا في المعركة ، لأنى لو كنت حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح أو الآلام . فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد نعمة ، إذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم . أما إذا كانت الدولة للمؤمنين ، وظفروا بالغنائم ، فهنا يتمنى المنافقون أن لو كانوا معهم لينالوا بعض هذه الغنائم . واستمع إلى القرآن وهو يحكى عنهم ذلك فيقول : * ( ولَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّه لَيَقُولَنَّ - كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَه مَوَدَّةٌ - يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) * . أي : * ( ولَئِنْ أَصابَكُمْ ) * يا معشر المؤمنين * ( فَضْلٌ مِنَ اللَّه ) * كفتح وغنيمة ونصر وظفر * ( لَيَقُولَنَّ ) * هذا المنافق على سبيل الندامة والحسرة والتهالك على حطام الدنيا ، حالة كونه
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 532
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 215 | سيد محمد طنطاوي