تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
والمعنى : استعدوا - أيها المؤمنون - لأعدائكم ، وكونوا على يقظة منهم ، وكونوا متأهبين للقائهم دائما بالإيمان القوى ، وبالسلاح الذي يفل سلاحهم . هذا ، وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كلام حسن في هذا المعنى ، فقد قال - رحمه اللَّه - ما ملخصه : « الحذر : الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو ، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته ومعرفة أرضه وبلاده وفي أمثال العرب ( قتلت أرض جاهلها ) . ويدخل في الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية استعمالها فكل ذلك وغيره يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر . وقد كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه عارفين بأرض عدوهم ، وكان للنبي صلى اللَّه عليه وسلم جواسيس يأتونه بأخبار مكة ، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد استعد لفتحها ، وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة ( حاربهم بمثل ما يحاربونك به : السيف بالسيف ، والرمح بالرمح ) . وهذه كلمة جليلة فالقول وعمل النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه ، كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته » « 1 » . فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة * ( خُذُوا حِذْرَكُمْ ) * دعوة للمؤمنين في كل زمان ومكان إلى حسن الاستعداد لمجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف الوسائل التي تجعل الأمة الإسلامية يرهبها أعداؤها سواء أكانوا في داخلها أم في خارجها . وقوله * ( فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ) * تفريع على أخذ الحذر لأنهم إذا أخذوا حذرهم ، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال أعدائهم وقوله * ( فَانْفِرُوا ) * من النفر وهو الخروج إلى عمل من الأعمال بسرعة . ومنه قوله - تعالى - وما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ « 2 » . والمراد بقوله * ( فَانْفِرُوا ) * هنا : أي اخرجوا إلى قتال أعدائكم بهمة ونشاط . ويقال : نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم . واستنفر الإمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم ( وإذا استنفرتم فانفروا ) . والنفير . اسم للقوم الذين ينفرون . وقوله * ( ثُباتٍ ) * جمع ثبة وهي الجماعة والعصبة من الفرسان . مأخوذة من ثبا يثبو أي اجتمع .
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 5 ص 250 ( 2 ) سورة التوبة آية 122
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 213 | سيد محمد طنطاوي