وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المطيعين للَّه ولرسوله بأحسن البشارات ، وأرفع الدرجات .
ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالاستعداد للجهاد في سبيل اللَّه من أجل إعلاء كلمته ، بعد أن أمرتهم قبل ذلك بطاعته وبطاعة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فقال - تعالى - :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 71 إلى 73 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( 71 ) وإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ( 72 ) ولَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّه لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَه مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 )
قال القرطبي : قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) * هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل اللَّه ، وحماية الشرع .
ووجه النظم والاتصال بما قبله أنه لما ذكر طاعة اللَّه وطاعة رسوله أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته . وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم حتى يتحسسوا إلى ما عندهم ، ويعلموا كيف يردون عليهم ، فذلك أثبت لهم فقال « خذوا حذركم » فعلمهم مباشرة الحروب .
ولا ينافي هذا التوكل بل هو عين التوكل . . « 1 » .
والحذر والحذر بمعنى واحد كالإثر والأثر . يقال : أخذ فلان حذره ، إذا تيقظ واحترز مما يخشاه ويخافه . فكأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه . فالكلام على سبيل الكناية والتخيل . بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 273 .