تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
6 - ظاهر قوله - تعالى - * ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) * يفيد أن التيمم لا يصح مع وجود الماء ، لأن الآية الكريمة قد رتبت الأمر بالتيمم على نفى وجود الماء . ولكن هذا الظاهر غير مراد ، لأنه يقتضى أنه حتى لو وجدنا ماء ، وكنا في حاجة شديدة إليه ، أو لا نقدر على استعماله فإنه لا يجوز لنا أن نتيمم ، وهذا يتعارض مع سماحه الشريعة الإسلامية ويسرها ، قال - تعالى : يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقال - تعالى - : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ . ويتعارض كذلك مع ما شرع من أجله التيمم وهو التيسير على الناس ، والتيسير على الناس لا يتأتى بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا في العنت بسبب العطش أو الجوع . أو بإلزامهم استعمال الماء في طهارتهم مع أن في استعماله مضرة بهم . لذا قال العلماء : إن التيمم مشروع للمسلم عند فقده للماء ، أو عند وجود الماء ولكن هناك عارض يمنعه من استعماله كمرض أو نحوه . ولقد ورد في السنة النبوية الشريفة ما يشهد بأنه يجوز للمسلم أن يتيمم مع وجود الماء متى كان هناك ما يمنع من استعماله . ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والدارقطني عن جابر قال : خرجنا في سفر . فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه . ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء . فاغتسل فمات . فلما قدمنا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم أخبر بذلك فقال : قتلوه ، قتلهم اللَّه ، هلا سألوا إذا لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال . إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده « . وروى أبو داود والدارقطني عن عمرو بن العاص قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك . فتيممت . ثم صليت بأصحابي الصبح . فذكروا ذلك للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « يا عمرو صليت بأصحابي وأنت جنب » ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت : إني سمعت اللَّه يقول : ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّه كانَ بِكُمْ رَحِيماً فضحك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولم يقل شيئا « . قال القرطبي - بعد أن ساق هذا الحديث والذي قبله - : فدل هذا الحديث على إباحة التيمم مع الخوف من المرض - عند استعمال الماء - : وفيه إطلاق اسم الجنب على المتيمم ، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين . وهذا أحد القولين عندنا . وهو الصحيح الذي أقره مالك في موطئه وقرئ عليه إلى أن مات « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 217