الظاهر بعض العلماء . ولكن جمهور العلماء يرون أن الأمة يقام عليها الحد إذا زنت سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجة .
فالآية الكريمة صرحت بأن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة ، لأن الجريمة يضعف أثرها بضعف مرتكبها ، ويقوى أثرها بقوة مرتكبها ، فكان من العدل أن يعاقب الأرقاء لضعفهم بنصف عقوبة الأحرار الأقوياء .
فأين هذا السمو والرحمة والعدالة في التشريع من مظالم القوانين الوضعية ففي القانون الروماني كان العبد إذا زنى بحرة قتل ، وإذا زنى الشريف حكم عليه بغرامة . ولقد حذر النبي صلى اللَّه عليه وسلم من ذلك بقوله : « إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا : إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد . . . » .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * :
واسم الإشارة « ذلك » يعود إلى نكاح الإماء .
والعنت : المشقة الشديدة التي يخشى معها التلف أو الوقوع في الفاحشة التي نهى اللَّه - تعالى - عنها . ولذا قال بعضهم المراد به هنا : الزنا .
أي : ذلك الذي شرعناه لكم من إباحة الزواج بالإماء عند الضرورة يكون بالنسبة لمن خشي على نفسه العزبة التي قد تفضى به إلى الوقوع في الفاحشة والآثام . * ( وأَنْ تَصْبِرُوا ) * على تحمل المشقة متعففين عن نكاحهن حتى يرزقكم اللَّه الزواج بالحرة ، فصبركم هذا خير لكم من نكاح الإماء وإن رخص لكم فيه .
وقوله * ( واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * أي واسع المغفرة كثيرها ، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن - وفي ذلك تنفير عنه حتى لكأنه ذنب - ، وهو - سبحانه - واسع الرحمة بعباده حيث شرع لهم ما فيه تيسير عليهم ورأفة بهم .
قالوا : وإنما كان الصبر عن نكاح الإماء خيرا من نكاحهن ، لأن الولد الذي يأتي عن طريقهن يكون معرضا للرق ، ولأن الأمة في الغالب لا تستطيع أن تهيء البيت الصالح للزوجية من كل الوجوه لانشغالها بخدمة سيدها .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة ؟ قلت : لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق . ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها . ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 120
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٢٠