وكتصرّف عليّ عليه السّلام بعد الكلّ في ملكوت الشمس بردّها أيضا إلى مكان الصلاة مرّتين : مرّة في المدينة ، ومرّة في أرض بابل كما هو مذكور في كتب الشيعة والسنّة ( 53 ) .
هامش
( 53 ) قوله : كتصرّف علي عليه السّلام .
روى الصدوق في « علل الشرائع » بإسناده عن جويرة بن مسهرة قال : « قطعنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام جسر الصراة في وقت العصر فقال : إنّ هذه أرض معذبة لا ينبغي لنبيّ ولا وصي نبيّ أن يصلي فيها ، فمن أراد منكم أن يصلَّي فيها فليصلّ ، فتفرّق الناس يمنة ويسرة وهم يصلَّون ، فقلت : أنا واللَّه لأقلَّدنّ هذا الرجل صلاتي اليوم ، ولا أصلَّي حتّى يصلَّي ، فسرنا وجعلت الشمس تسفل ، وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم ، حتّى وجبت الشمس وقطعنا الأرض ، فقال : يا جويرة أذّن ، فقلت : تقول أذّن وقد غابت الشمس ! ! ، فقال : أذّن ، فأذّنت ، ثمّ قال لي : أقم ، فأقمت ، فلمّا قلت : « قد قامت الصلاة » ، رأيت شفتيه يتحرّكان وسمعت كلاما كأنّه كلام العبرانيّة ، فارتفعت الشمس حتّى صارت في مثل وقتها في العصر ، فصلَّى فلمّا انصرفنا هوت إلى مكانها واشتبكت النجوم ، فقلت أنا : أشهد أنّك وصيّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه واله فقال : « يا جويرة أما سمعت اللَّه عزّ وجلّ يقول : « فسبّح باسم ربّك العظيم » ؟ فقلت : بلى ، قال : « فإنّي سألت اللَّه باسمه العظيم فردّها عليّ » .
علل الشرائع باب 61 ، ص 352 ، الحديث 4 .
وقال المفيد في الإرشاد : وممّا أظهره اللَّه تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ما استفاضت به الأخبار ، ورواه علماء السيرة والآثار ، ونظمت فيه الشعراء الأشعار : رجوع الشمس له عليه السّلام مرّتين : في حياة النبيّ صلى اللَّه عليه واله مرّة ، وبعد وفاته مرّة أخرى .
وكان من حديث رجوعها عليه في المرّة الأولى ما روته أسماء بنت عميس ، وأمّ سلمة زوج النبيّ صلى اللَّه عليه واله وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري ، وأبو سعيد الخدريّ ، في جماعة من الصحابة : أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه واله كان ذات يوم في منزله ، وعليّ عليه السّلام بين يديه ، إذ جاءه جبرئيل عليه السّلام يناجيه عن اللَّه سبحانه ، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين عليه السّلام فلم يرفع رأسه عنه حتّى غابت الشمس ، فاظطرّ أمير المؤمنين عليه السّلام لذلك إلى صلاة العصر جالسا يومئ بركوعه وسجوده إيماء ، فلمّا أفاق من غشيته قال لأمير المؤمنين عليه السّلام :
« أفاتتك صلاة العصر » ؟ قال له :
« لم أستطع أن أصلَّيها قائما لمكانك يا رسول اللَّه ، والحال الَّتي كنت عليها في استماع الوحي » ، فقال له : « أدع اللَّه ليردّ عليك الشمس حتّى تصلَّيها قائما في وقتها كما فاتتك ، فإنّ اللَّه يجيبك لطاعتك اللَّه ورسوله » ، فسأل أمير المؤمنين اللَّه عزّ اسمه في ردّ الشمس ، فردّت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر ، فصلَّى أمير المؤمنين عليه السّلام صلاة العصر في وقتها ثم غربت ، فقالت أسماء : أم واللَّه لقد سمعنا لها عند غروبها صريرا كصرير المنشار في الخشبة .
وكان رجوعها عليه بعد النبيّ صلى اللَّه عليه واله : أنّه لمّا أراد أن يعبر الفرات ببابل ، اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابّهم ورحالهم ، وصلَّى عليه السّلام بنفسه في طائفة معه العصر ، فلم يفرغ الناس من عبور هم حتّى غربت الشمس ، ففاتت الصلاة كثيرا منهم ، وفات الجمهور فضل الاجتماع معه ، فتكلَّموا في ذلك ، فلمّا سمع كلامهم فيه سأل اللَّه تعالى ردّ الشمس عليه ، ليجتمع كافّة أصحابه على صلاة العصر في وقتها ، فأجابه اللَّه تعالى إلى ردّها عليه ، فكانت في الأفق على الحال الَّتي تكون عليها وقت العصر ، فلمّا سلَّم بالقوم غابت فسمع لها وجيب شديد هال الناس ذلك ، وأكثروا من التسبيح والتهليل والاستغفار والحمد للَّه على نعمته الَّتي ظهرت فيهم .
وسار خبر ذلك في الآفاق وانتشر ذكره في الناس ، وفي ذلك يقول السيّد بن محمّد الحميريّ رحمه اللَّه :ردّت عليه الشمس لمّا فاته
وقت الصلاة وقد دنت للمغربحتّى تبلَّج نورها في وقتها
للعصر ثمّ هوت هويّ الكوكبوعليه قد ردّت ببابل مرّة
أخرى وما ردّت لخلق معربإلَّا ليوشع أوله من بعده
وليردّها تأويل أمر معجبمصنّفات الشيخ المفيد ج 11 ص 345 وفي الإرشاد ج 1 ص 345 .
وقال ابن شهرآشوب : روى أبو بكر بن مردويه في المناقب ، وأبو إسحاق الثعلبي في تفسيره ، وأبو عبد اللَّه ابن مندة في المعرفة ، وأبو عبد اللَّه النطنزي في الخصائص ، والخطيب في الأربعين ، وأبو أحمد الجرجاني في تاريخ جرجان : ردّ الشمس لعليّ عليه السّلام .
ولأبي بكر الورّاق كتاب طرق من روى ردّ الشمس ، ولأبي عبد اللَّه الجعل مصنّف في جواز ردّ الشمس ، ولأبي القاسم الحسكاني مسألة في تصحيح ردّ الشمس وترغيم
النواصب الشمس ، ولأبي الحسن الشاذان كتاب بيان ردّ الشمس على أمير المؤمنين عليه السّلام .
وذكر أبو بكر الشيرازي : أنّ الشمس ردّت عليه مرارا ، أمّا المعروف مرّتان : في حياة النبيّ عليه السّلام بكراع الغيم ، وبعد وفاته ببابل .
فأمّا في حال حياته صلى اللَّه عليه واله فما روته أمّ سلمة ، وأسماء بنت عميس ، وجابر الأنصاري ، وأبو ذر ، وابن عباس ، والخدري ، وأبو هريرة ، والصادق عليه السّلام :
« أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه واله صلَّى بكراع الغميم ، فلمّا سلم نزل عليه الوحي ، وجاء علي عليه السّلام وهو على ذلك الحال ، فأسنده إلى ظهره ، فلم يزل على تلك الحال حتّى غابت ، والقرآن ينزل على النبيّ صلى اللَّه عليه واله ، فلمّا تمّ الوحي قال : يا عليّ صلَّيت ؟ قال : لا وقصّ عليه ، فقال : أدع ليردّ اللَّه عليك الشمس ، فسأل اللَّه فردّت عليه الشمس بيضاء نقيّة » .
وأمّا بعد وفاته صلى اللَّه عليه واله ما روي جويرية بن مسهر ، وأبو رافع ، والحسين بن عليّ عليهما السّلام :
أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا عبر الفرات ببال صلَّى بنفسه في طائفة معه العصر ، ثمّ لم يفرغ الناس من عبورهم حتّى غربت الشمس وفات صلاة العصر الجمهور ، فتكلَّموا في ذلك ، فسأل اللَّه تعالى ردّ الشمس عليه ، فردّها عليه ، فكانت في الأفق ، فلمّا سلَّم القوم غابت ، فسمع لها وجيب شديد ، هال الناس ذلك ، وأكثروا التهليل والتسبيح والتكبير ، ومسجد الشمس بالصاعديّة من أرض بابل شائع ذائع . / المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 316 .
راجع في حديث ردّ الشمس لعليّ أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلَّين ومصادرة من الكتب العامّة والخاصّة : ( بحار الأنوار ج 41 ص 166 ) و ( مدينة المعاجز للبحراني ج 1 ص 194 ) . و ( ينابيع المودّة ص 164 ) و ( إحقاق الحقّ للقاضي الشهيد وملحقاته للسيّد المرعشي ج 5 ص 29 ، وج 16 ص 315 ، وج 20 ص 617 ، ج 21 ص 261 ) و ( الغدير للأميني ج 3 ص 126 ) .