« المحجوب محجوب سواء كان بحجاب أو ألف حجاب » .
وترتيب هذا الغسل وهو أن يغسل السّالك أوّلا رأسه الحقيقي - الَّذي هو القلب هاهنا - بماء العلم الحقيقي النازل من بحر القدس ، من حدث الأهواء المختلفة ، والآراء المتشتّتة المتعلَّقة بالدّنيا وبمحبّتها الموجبة للدّخول في الهاوية الَّتي هي النّار لأنّ الهوى إذا أغلب انجذب صاحبه إلى عبادة الأصنام والأوثان الباطلة ذهنا كان أو خارجا ، أمّا الخارج فهو معلوم ، وأمّا الدّاخل فذلك أيضا قد سبق بحكم قوله تعالى :
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ [ الجاثية : 23 ] .
وكلّ من أطاع لهواه لا بدّ وأن يدخل النار لقوله تعالى أيضا :
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُه ُ فَأُمُّه ُ هاوِيَةٌ [ القارعة : 7 - 8 ] .
أي من خفّت موازينه من العلم والعمل الصّالح الصّادران من العقل الصحيح والنفس الكامل ، فهو في الهاوية الَّتي هي أصلها وأمّها ، لأنّ منشأ الهوى من النّفس الأمّارة ، والنّفس الأمّارة منشأها ومنبعها الطبيعة الحيوانيّة ، والقوى الشهويّة والغضبية اللَّتان هما من جنودها وأعوانها ، كذلك صادران من الطبيعة والنّفس ، فلا يكون الهاوية في الحقيقة إلَّا التوجّه إلى النّفس ، الأمّارة والشّهوة والغضب ، وأسفل سافلين إشارة إليها في قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناه ُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 5 ] .
أي رددناه بأفعاله إلى أسفل عالم الطبيعة والنّفس الأمّارة بمتابعة الهوى ومخالفة الحقّ في أفعاله وأقواله ، لقول أهل النّار فيه :
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] .
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 31
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٣١