( في معنى خلقه الإنسان في أحسن التقويم )
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناه ُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 4 ] .
لأن أحسن التقويم بالاتفاق هو تقويم الحقيقة الإنسانية ، وأسفل سافلين بالاتّفاق هي الرجوع إلى المرتبة الحيوانيّة ثمّ نباتيّة .
وكذلك قوله : ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [ الحديد : 13 ] .
لأنّه إشارة إلى هذا الرجوع ، لأنّ النور المعبّر عنه بالوراء ، المحصّل للكمال لا يحصل إلَّا بعد الرجوع إلى مقرّه الأصلي صورة ومعنى ، ويشهد به قوله تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [ الفجر : 28 ] .
وبالجملة ينفعه هذا الرجوع ومشاهدة هذا الفقر والمذلَّة في طريق الفناء ظاهرا وباطنا ، ويسهل عليه ترك اللَّذات والشهوات المشتملة عليهما حتّى إذا شاهد عظمة الباري وحقارة نفسه ، في ذلك قام بتعظيم اللَّه وتبجيله غاية التعظيم والتبجيل بلسان الحال والقال وقال : « سبحان ربّي العظيم وبحمده » ، ولذلك كأنّ ثمرة هذا التعظيم والتبجيل بعد مشاهدته مذلَّته وانكساره ، والرجوع إلى العدم الأصلي الانتصاب والاستقامة الموجبتان لمشاهدة حاله مع الحقّ ، وحال الحق معه في تبديل أوصافه الحقّ وتهذيب أخلاقه به حتّى قال : « سمع اللَّه لمن حمده » ، لأنّ هذا إخبار عن شهوده الحقّ مع الكلّ وشهود الكلّ معه ، بحيث يسمع كلام الكلّ من غير مانع وحاجب سيّما مع نفسه ، فإنّه كان يسمع بنفسه من قائله كما سبق ذكره من قول الإمام :