والتفريط من أصول الأخلاق الحقيقيّة الَّتي هي الحكمة والعفّة والشجاعة والعدالة .
ولفظ « اهدنا » لو لم يكن بمعنى ثبتنا على هذا الَّذي نحن فيه لكان عبثا وبل مهملا ، لأنّ الأنبياء والأولياء عليهم السّلام بالاتّفاق كانوا على الصراط المستقيم ، وكذلك تابعيهم من المؤمنين والمسلمين لقوله تعالى :
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 87 ] .
فلو كان « اهدنا » حينئذ بمعنى طلب الهداية إلى الصراط المستقيم لكان يلزم الفساد المذكور ، ويؤدي إلى تحصيل الحاصل ، وطلب ما عندهم من الهداية ، وهذا غير جايز عنهم فلم يبق إلَّا أن يكون المعنى المذكور .
ثمّ يركع اي يتواضع للَّه تعالى ويرجع نفسه إليه بالكسر والمذلَّة والافتقار الَّتي هي من مقتضيات ( مقتضى ) ذاته ، لأنّ الركوع هو الركوع قهقرا إلى عدمه الأصلي وإمكانه الذاتي لأنّه حركة أفقية حيوانيّة كما أنّ القيام حركة مستقيمة إنسانيّة ، وليس معنى القهقري إلَّا هذا ، أي الرجوع إلى أصله المخلوق منه ، لقوله تعالى :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [ مريم : 9 ] .
ولهذا جاءت عقيبه حركة منكوسة الَّتي هي السجود ، لأنّها مخصوصة بالنّبات ، لأنّ النّبات دائما في النكس ، والنكس إشارة إلى الرجوع الأصلي ، ولهذا نزل من الاستقامة والحركة الإنسانيّة إلى الحيوانية والحركة الحيوانيّة ، ثمّ من الحيوانيّة إلى النباتيّة والحركة المنكوسة ، لأنّه من حيث الصورة صعد من النباتيّة إلى الحيوانيّة ومن الحيوانيّة إلى الإنسانيّة المشار إليه في قوله :
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 158
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص١٥٨