تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وانظر هنا إلى لطيفة ; وهو أن ما كان من شأنه ألا يفعل إلا مجازاة ، وليس من شأنه أن يذكر الاتصاف به ، لم يأت إلا في تراكيب الأفعال ، كقوله تعالى : * ( ويضل الله الظالمين ) * ، وقال : * ( وإن الله لهاد الذين آمنوا ) * : * ( لكل قوم هاد ) * . وأما قوله تعالى : * ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) * ، فإن الإهلاك نوع اقتدار بين ، مع أن جنسه مقضى به على الكل ; عالين وسافلين ; لا كالضلال الذي جرى مجرى العصيان . ومنه قوله تعالى : * ( تذكروا فإذا هم مبصرون ) * ، لأن البصر صفة لازمة للمتقى ، وعين الشيطان ربما حجبت ، فإذا تذكر رأى المذكور ، ولو قيل : " يبصرون " ، لأنبأ عن تجدد واكتساب فعل لا عود صفة . وقوله : * ( الذي خلقني فهو يهدين ) * ، أتى بالماضي في " خلق " لأن خلقه مفروغ منه ، وأتى بالفاء دون الواو ، لأنه كالجواب ; إذ من صور المنى ، قادر على أن يصيره ذا هدى ; وهو للحصر ، لأنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم تهديهم ، ثم قال : * ( والذي هو يطعمني ويسقين ) * ، فأتى بالمضارع لبيان تجدد الإطعام والسقيا ، وجاءت الواو دون الفاء ، لأنهم كانوا لا يفرقون بين المطعم والساقي ، ويعلمون أنهما من مكان واحد ، وإن كانوا يعلمون أنه من إله ، وأتى ب‍ " هو " لرفع ذلك ، ودخلت الفاء في * ( يشفين ) * ، لأنه جواب ، ولم يقل : " إذا مرضت فهو يشفين " إذ يفوت ما هو موضوع لإفادة