تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب ، إذ الدنيا ليست دار الجزاء العام ، وإنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة ، كما في العقوبات الشرعية ، فمن أرادوا عداوة [ أحد ] من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه الله ، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه ، ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره ، فهو أشبه بإبراهيم عليه السلام ، إذ عصمه الله من كيدهم ، وأظهره حتى صارت الحرب بينهم وبينه سجالا ، ثم كانت له العاقبة فهو أشبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن محمدا سيد الجميع ، وهو خليل الله ، كما أن إبراهيم عليه السلام خليله ، والخليلان هما أفضل الجميع ، وفي طريقهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريق غيرهما ، ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ذنبا غير الشرك ، وكذلك عن قوم نوح ، وأما عاد فذكر عنهم التجبر ، وعمارة الدنيا ، وقوم صالح ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الأنبياء ، وأهل مدين الظلم في الأموال مع الشرك ، وقوم لوط استحلال الفاحشة ، ولم يذكر أنهم أقروا بالتوحيد ، بخلاف سائر الأمم ، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين ، وإنما كان دينهم استحلال الفاحشة وتوابع ذلك ، وكانت عقوبتهم أشد . وهذه الأمور تدل على حكمة الرب وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم ، ولما لم يكن في قوم نوح خير يرجى غرق الجميع . والله المستعان . * * * فتأمل هذا الفصل وعظم فوائده وتدبر حكمته ، فإنه سر عظيم من أسرار القرآن العظيم ، كقوله تعالى : ( أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ) ، فأعاد ذكر " الأنهار " مع كل صنف ، وكان يكفي أن يقال فيها : " أنهار من ماء ، ومن لبن ، ومن خمر ، ومن
البرهان — صفحة 32 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم