تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
روى أن الله رفع إلياس ، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة ، فإن إلياس لم يقم بينهم ، وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل ، وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال ، وبعد نوح لم يهلك جميع النوع ، وقد بعث الله في كل أمة نذيرا ، والله سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا ، كما ذكر ذلك عن غيرهم ، بل ذكر أنهم ألقوه في النار ، فجعلها بردا وسلاما ، وفي هذا ظهور برهانه وآياته ، حيث أذلهم ونصره ، ( وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ) وهذا من جنس المجاهد [ الذي يعرض عدوه ، والقصص الأول من جنس المجاهد الذي ] قتل عدوه ، وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم ، وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا ، ولم يوجد في حق إبراهيم سبب الهلاك ، وهو إقامته فيهم ، وانتظار العذاب النازل ، وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه ، لم يقم فيهم ، بل خرج عنهم حتى أظهره الله عليهم بعد ذلك ، ومحمد وإبراهيم أفصل الرسل ، فإنهم إذا علموا حصل المقصود ، وقد يتوب منهم من تاب ، كما جرى لقوم يونس ، فهذا - والله أعلم - هو السر في أنه سبحانه لم يذكر قصة إبراهيم مع هؤلاء ، لأنها ليست من جنس واقعتهم . فإن قيل : فما وجه الخصوصية بمحمد وإبراهيم بذلك ؟ فالجواب : أما حالة إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل ، فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم ، وقد قال الله تعالى : ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من بعدهم ) ، وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم فعوقبوا ، وقوم إبراهيم وإن أوصلوه إلى العذاب ، لكن جعله الله عليه بردا وسلاما ،