ما فوقها يسيرا يسيرا ، تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه ، فترى الطفل يفرح بإتمام
السورة فرح من حصل على حد معتبر . وكذلك المطيل مع في التلاوة يرتاح عند ختم
كل سورة ارتياح المسافر إلى قطع المراحل المسماة مرحلة بعد مرحلة أخرى ; إلى أن كل
سورة نمط مستقل ، فسورة يوسف تترجم عن قصته ، وسورة براءة تترجم عن أحوال
المنافقين وكامن أسرارهم ، وغير ذلك .
فإن قلت : فهلا كانت الكتب السالفة كذلك ؟ قلت : لوجهين : أحدهما أنها لم
تكن معجزات من ناحية النظم والترتيب ، والآخر أنها لم تيسر للحفظ .
وقال الزمخشري : الفوائد في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة - وكذلك أنزل الله
التوراة والإنجيل والزبور ، وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة ، وبوب المصنفون في كتبهم أبوابا
موشحة الصدور بالتراجم : منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن
وأفخم من أن يكون بابا واحدا . ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم
أخذ في آخره كان أنشط له ، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ،
ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو فرسخا وانتهى إلى رأس برية نفس ذلك منه ونشطه للمسير ;
ومن ثمة جزئ القرآن أجزاء وأخماسا . ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ
من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظه . ومنه حديث أنس : كان الرجل إذا قرأ
البقرة وآل عمران جل فينا . ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل . ومنها أن
التفصيل يسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض ، وبذلك تتلاحظ سعيد المعاني
والنظم ; إلى غير ذلك من الفوائد .
البرهان — صفحة 265
مساهمون: الزركشي
ص٢٦٥