وقال الزهري : إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ; وليست تختلف في حلال
ولا حرام .
واحتج ابن عبد البر بحديث سلمان بن صرد عن أبي بن كعب قال : قرأ أبى آية ، وقرأ
ابن مسعود آية خلافها ، وقرأ رجل آخر خلافهما ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت :
ألم تقرأ آية كذا ؟ وقال ابن مسعود : ألم تقرأ آية كذا ؟ فقال : " كلكم محسن مجمل " .
وقال : " يا أبى ، إني أقرئت القرآن فقلت : على حرف أو حرفين ؟ فقال لي الملك : على
حرفين ، فقلت : على حرفين أو ثلاثة ؟ فقال : على ثلاثة ; هكذا حتى بلغ سبعة أحرف ، ليس فيها
إلا شاف كاف . قلت غفورا رحيما ، أو قلت سميعا حكيما ، أو قلت عليما حكيما ، أو قلت
عزيزا حكيما ، أي ذلك قلت فإنه كذلك " .
قال أبو عمر : إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها أنها
معان متفق مفهومها ، مختلف مسموعها ، لا يكون في شئ منها معنى وضده ، ولا وجه
يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده ، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده .
وكذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ على
حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، فقال : على حرفين ، فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ
إلى سبعة أحرف ، فقال : أقرأه ، فكل شاف كاف ، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب ،
وآية عذاب بآية رحمة ، نحو هلم ، وتعال ، وأقبل ، واذهب ، وأسرع ، وعجل .
وروى ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب ، أنه كان يقرأ : * ( للذين آمنوا انظرونا ) * :
" أمهلونا أخرونا ، أرقبونا " و * ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) * " مروا فيه ، سعوا فيه " .
قال أبو عمر : إلا أن مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو فيها حرف واحد ،
وعلى هذا أهل العلم .
البرهان — صفحة 221
مساهمون: الزركشي
ص٢٢١