تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تجارب الأمم — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وأمر بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد بقتل أرجوان وتسكينهم في أعمالهم ونفّذت الكتب وسكن الناس وأمن ما خيف من الفتنة . وكان ذلك في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة . ومضى أرجوان كأنّه لم يكن ولو علم أنّ هلاكه على يد الحاكم لأقصر عن ذلك الاجتهاد في حفظه . وربّ حافظ دواء داؤه فيه ، وحامل سلاح حتفه به ، وضنين بذخر وباله منه . ومع الأحوال كلَّها فالإفراط [ 333 ] في منع الملوك عن شهواتهم جناية ، والإقصار عمّا يلزم من نصحهم خيانة ، لكن بشرط الإقتصاد . وقد قيل : كثرة المراقبة نفاق ، وكثرة المخالفة شقاق . وكم من شفيق على الملوك قد هلك بفرط شفقته وحبيب صار بغيضا بكثرة نصحه . ولم يبعد العهد بما شوهد من فعل الملك أبى كاليجار بخادمه المتلقّب بالمؤيد وقصته مناسبة لقصة أرجوان . وما أحسن الرواية التي تروى عن المأمون رضوان الله عليه ، حين سأل جلساءه عن أرفه الناس . فقال كل واحد منهم قولا لم يعجبه فقال المأمون : - « أرفه الناس عيشا رجل أتاه الله كفاية لا يعرفنا ولا نعرفه . » وقال بعض العقلاء : - « مثل السلطان كمثل النار . فلا تقرب منها قربا تباشر فيه لهبا ، ولا تعبد عنها بعدا تفقد معه ضوءها . » وجملة القول ، أنّ القرب من الملوك عزّ مع تعب ، والبعد منهم ذلّ مع راحة ، والعيش في الخمول ، وتختلف الطباع في هذا الاختيار ، وكلّ امرئ ميسّر لما خلق له .
تجارب الأمم — صفحة 275 | أحمد بن محمد مسكويه الرازي / أبو القاسم امامي