- « أمّا بعد ، فإنّى لا أعرف أهل بيت أبرّ ، ولا أوصل من أهل بيتي .
فجزاكم الله عنّى خيرا ، وإنّى لا أظنّ يومنا من هؤلاء إلَّا غدا ، وإنّى قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا في حلّ ، ليس عليكم منّى ذمام . هذا الليل قد غشيكم [ 108 ] فاتّخذوه جملا ، ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا بسوادكم ومدائنكم ، فإنّ القوم إنّما يطلبوننى ، ولو قد أصابونى ، لهوا عن طلب غيرى . » فقال له إخوته :
- « لم نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبدا ، قبّح الله العيش بعدك . » وتكلَّم أهله كلَّهم مثل ذلك .
ثمّ قام مسلم بن عوسجة الأسدىّ فقال :
- « نحن نخلَّى عنك ، ولم نعذر فيك ! والله ، لو لم يكن معي سلاح ، لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت ، ويعلم الله أنّا حفظنا غيبة رسول الله - صلَّى الله عليه - والله ، لو علمت أنّى أقتل ، ثمّ أحيى ، ثمّ أقتل ، ثمّ أحرق ، ثمّ يذرى بي ، يفعل بي ذلك سبعين مرة ، ما فارقتك . فكيف وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا . » ثمّ قام زهير بن القين ، فقال مثل ذلك ، وتكلَّم جماعة أصحابه بمثل ذلك ، وأشبه كلام بعضهم كلام بعض ، وكانوا اثنين وثلاثين رجلا من الفرسان وأربعين راجلا .
ثمّ أوصى الحسين ، وقال لأخته :
- « يا أخيّة ، أقسم عليك ، فبرّى قسمي ، لا تشقّى علىّ جيبا ، ولا تخمشي وجها ، ولا تدعى علىّ بالويل والثبور إذا [ 109 ] أنا هلكت . » فبكت ، فارتفعت الأصوات من جهة النساء ، ولهنّ الرقّة والجزع .
تجارب الأمم — صفحة 75
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٧٥