الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا ، ولم يكن لتكرير الصفات
معنى ، لأن جواهر الموصوف موجودة ( 1 ) منذ أخبر سبحانه بالتراب .
ولأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل لو دل إلا بذكر التراب دون ما
بعده ، لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب ، وجواهر العلقة هي النطفة ،
والمضغة هي العلقة ، والعظم هو المضغة .
فلم يبق لاستدلاله سبحانه بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس التي
ذكرناها ، الحالة في الجواهر ، الدالة بتجددها على أن لها مجددا ، وبتعذرها على
الأجسام على كونه سبحانه مخالفا لها ، وبكونها محدثة على أنها مربوبة له .
بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة
منزله ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .
وإنما قلنا بتعذر جنس الجواهر - وما ذكرناه من أجناس الأعراض
ومقاديرها ووجوهها الدالة على كون فاعلها عالما على الحي القادر من الأجسام
- لتوفر دواعيه إليها ، وخلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال ، وتعذر تحصيلها
من غير مانع معقول ، وما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة ، إذ بها حصل الفرق
بين المستحيل والجائز .
وإلا قد بينا أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدرة ، والقدر من حيث كانت
قدرا يستحيل بها فعل شئ من هذه الأجناس لا مباشرة ولا متولدة ، بدليل
استعمال محل القدرة والاعتماد في سائر الجهات ، ولا يحصل شئ من هذه
الأجناس .
فالاختراع متعذر بجنس القدر ، بدليل افتقارها في التأثير إلى استعمال
محلها على طريقة واحدة ، ولما يجده الحي من عظيم المشقة في مباشرة بعض
هامش
( 1 ) في النسخة : " موجود " .