تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
ومن شر النفاثات في العقد . ومن شر حاسد إذا حسد .
شرح
دخول ظلامه في كل شئ ، ويقال وقبت الشمس إذا غابت ، وفي الحديث " لما رأى الشمس قد وقبت قال : هذا حين حلها " يعني صلاة المغرب ، وقيل هو القمر إذا امتلأ . وعن عائشة رضي الله عنها " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال : تعوذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب " ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده " ويجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه ونقبه والوقب النقب ، ومنه وقبة الثريد ، والتعوذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر والتحرز فيه أصعب ، ومنه قولهم : الليل أخفى للويل ، وقوله : أغدر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر ، وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه ( النفاثات ) النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين ، والنفث : النفخ مع ريق ، ولا تأثير لذلك اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شئ ضار أو سقيه أو إشمامه أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ، ولكن الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام فينسبه الحشو والرعاع إليهن وإلى نفثهن ، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به . فإن قلت : فما معنى الاستعاذة من شرهن ؟ قلت : فيها ثلاثة أوجه : أحدها أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهن في ذلك . والثاني أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعهم به من باطلهن . والثالث أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن ، ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات من قوله - إن كيدهن عظيم - تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد ، أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهن لهم وعرضهن محاسنهن كأنهم يسحرنهم بذلك ( إذا حسد ) إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود ، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره . وعن عمر بن عبد العزيز : لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد ، ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة حاله في وقت حسده وإظهاره أثره . فإن قلت : قوله - من شر ما خلق - تعميم في كل ما يستعاذ منه فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد ؟ قلت : قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم كأنما يغتال به ، وقالوا : شر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر . فإن قلت : فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ قلت : عرفت النفاثات لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسق لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما يكون في بعض دون بعض ، وكذلك كل حاسد لا يضر ، ورب حسد محمود وهو الحسد في الخيرات ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " لا حسد
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 301 | الزمخشري