الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنة والناس .
شرح
جبير " إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس إليه " ( الذي يوسوس ) يجوز في محله
الحركات الثلاث ، فالجر على الصفة ، والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارئ على الخناس ويبتدئ الذي
يوسوس إلى أحد هذين الوجهين ( من الجنة والناس ) بيان للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان : جني وإنسي
كما قال " شياطين الإنس والجن " وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرجل : هل تعوذت بالله من الشيطان الإنس ؟
ويجور أن يكون من متعلقا بيوسوس ومعناه ابتداء الغاية : أي يوسوس في صدورهم من جهة الجن ومن جهة
الناس . وقيل من الجنة والناس بيان للناس ، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة واستدلوا بنفر ورجال في سورة
الجن ، وما أحقه لأن الجن سموا جنا لاجتنانهم ، والناس ناسا لظهورهم من الإيناس وهو الإبصار كما سموا بشرا ،
ولو كان يقع الناس على القبيلين وصح ذلك وثبت لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع ، وأجود منه
أن يراد بالناس الناسي كقوله - يوم يدع الداع - وكما قرئ - من حيث أفاض الناس - ثم يبين بالجنة والناس لأن الثقلين
هنا النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد أنزلت علي سورتان
ما أنزل مثلهما ، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما " يعني المعوذتين ، ويقال للمعوذتين
المقشقشتان .
قال عبد الله الفقير إليه : وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامة ، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامة ،
من كل ما يكلم الدين ، ويثلم اليقين ، أو يعود في العاقبة بالندم ، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم .
وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر ، ووضع الخد لجلاله الأعظم الأكبر ، مستشفعا إليه بنوره الذي هو
الشيبة في الإسلام ، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام ، وبما عنيت به من مهاجرتي إليه ومجاورتي ، ومرابطتي بمكة
ومصابرتي ، على تواكل من القوى ، وتخاذل من الخطأ . ثم أسأله بحق صراطه المستقيم ، وقرآنه المجيد الكريم ، وبما
لقيت من كدح اليمين ، وعرق الجبين ، في عمل الكشاف عن حقائقه ، المخلص عن مضايقه ، المطلع على غوامضه ،
المثبت في مضاحضه ، الملخص لنكته ولطائف نظمه ، المنقر عن فقره وجواهر علمه ، المكتنز بالفوائد المفتنة
التي لا توجد إلا فيه ، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه ومعانيه ، مع الإيجاز الحاذف للفضول ، وتجنب المستكره
المملول . ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شئ على قانونه ، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار ، وجوهرة
يتمنى العثور عليها غاصة البحار ، وبما شرفني به ومجدني ، واختصني بكرامته وتوحدني ، من ارتفاعه على يدي
في مهبط بشاراته ونذره ، ومتنزل آياته وسوره ، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم ، وبين يدي البيت المحرم
حتى وقع التأويل ، حيث وجد التنزيل ، أن يهب لي خاتمة الخير ، ويقيني مصارع السوء ، ويتجاوز عن فرطاتي