تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا . وإنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا . وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا . وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا . وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا .
شرح
وكذلك قوله نقعد منها مقاعد : أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرث والشهب ، والآن ملئت المقاعد كلها ، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته ، يقولون لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قلنا : ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل الأرض ولا يخلو من أن يكن شرا وأو رشدا : أي خيرا من عذاب أو رحمة أو من خذلان أو توفيق ( منا الصالحون ) منا الأبرار المتقون ( ومنا دون ذلك ) ومنا قوم دون ذلك فحذف الموصوف كقوله - وما منا إلا له مقام معلوم - وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه ، أو أرادوا الطالحين ( كنا طرائق قددا ) بيان للقسمة المذكورة : أي كنا ذوي مذاهب مفترقة مختلفة ، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة ، أو كنا في طرائق مختلفة كقوله : * كما عسل الطريق الثعلب * أو كانت طرائقنا طائق قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير المضاف إلى مقامه ، والقدة من قد كالقطعة من قطع ، ووصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق ( في الأرض ) و ( هربا ) حالان : أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء . وقيل لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا ولن نعجزه هربا إن طلبنا . والظن بمعنى اليقين ، وهذه صفة أحوال الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم منهم أخيار وأشرار ومقتصدون وأنهم يعتقدون وأن الله عز وجل عزيز غالب لا يفوته مطلب ولا ينجى عنه مهرب ( لما سمعنا الهدى ) هو سماعهم القرآن . وإيمانهم به ( فلا يخاف ) فهو لا يخاف أي : فهو غير خائف ، ولان الكلام في تقدير مبتدأ وخبر دخلت الفاء ولولا ذاك لقيل لا يخف . فإن قلت : أي فائدة في رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له ووجوب إدخال الفاء وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال : لا يخف ؟ قلت : الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك فكأنه قيل فهو لا يخاف ، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره . وقرأ الأعمش فلا يخف على النهى ( بخسا ولا رهقا ) أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحدا حقا ولا رهق ظلم أحد فلا يخاف جزاؤهما ، وفيه دلالة على أن من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم " ويجوز أن يراد فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى ، ولا أن ترهقه ذلة من قوله عز وجل - وترهقهم ذلة - ( القاسطون ) الكافرون الجائرون عن طريق الحق . وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن الحجاج قال له حين أراد قتله : ما تقول في ؟ قال : قاسط عادل ، فقال القوم : ما أحسن ما قال حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل ، فقال الحجاج : يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا ، وتلا لهم قوله تعالى - وأما القاسطون - وقوله - ثم الذين كفروا بربهم يعدلون - وقد زعم من لا يرى للجن ثوابا أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم وكفى به وعدا أن قال - فأولئك تحروا رشدا - فذكر سبب الثواب وموجبه ، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثبت الراشد