وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا . وإنا ظننا أن لن نعجز الله
في الأرض ولن نعجزه هربا . وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه
فلا يخاف بخسا ولا رهقا . وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك
تحروا رشدا . وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا .
شرح
وكذلك قوله نقعد منها مقاعد : أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرث والشهب ، والآن ملئت المقاعد
كلها ، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته ،
يقولون لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قلنا : ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل الأرض ولا
يخلو من أن يكن شرا وأو رشدا : أي خيرا من عذاب أو رحمة أو من خذلان أو توفيق ( منا الصالحون ) منا الأبرار
المتقون ( ومنا دون ذلك ) ومنا قوم دون ذلك فحذف الموصوف كقوله - وما منا إلا له مقام معلوم - وهم المقتصدون
في الصلاح غير الكاملين فيه ، أو أرادوا الطالحين ( كنا طرائق قددا ) بيان للقسمة المذكورة : أي كنا ذوي مذاهب
مفترقة مختلفة ، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة ، أو كنا في طرائق مختلفة كقوله :
* كما عسل الطريق الثعلب * أو كانت طرائقنا طائق قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير
المضاف إلى مقامه ، والقدة من قد كالقطعة من قطع ، ووصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق
( في الأرض ) و ( هربا ) حالان : أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها ولن نعجزه هاربين منها إلى
السماء . وقيل لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا ولن نعجزه هربا إن طلبنا . والظن بمعنى اليقين ، وهذه صفة
أحوال الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم منهم أخيار وأشرار ومقتصدون وأنهم يعتقدون وأن الله عز وجل
عزيز غالب لا يفوته مطلب ولا ينجى عنه مهرب ( لما سمعنا الهدى ) هو سماعهم القرآن . وإيمانهم به ( فلا يخاف )
فهو لا يخاف أي : فهو غير خائف ، ولان الكلام في تقدير مبتدأ وخبر دخلت الفاء ولولا ذاك لقيل لا يخف .
فإن قلت : أي فائدة في رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له ووجوب إدخال الفاء وكان ذلك كله
مستغنى عنه بأن يقال : لا يخف ؟ قلت : الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك فكأنه قيل فهو لا يخاف ، فكان دالا على تحقيق
أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره . وقرأ الأعمش فلا يخف على النهى ( بخسا ولا رهقا ) أي
جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحدا حقا ولا رهق ظلم أحد فلا يخاف جزاؤهما ، وفيه دلالة على أن من حق
من آمن بالله أن يجتنب المظالم ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم "
ويجوز أن يراد فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى ، ولا أن ترهقه ذلة من قوله عز وجل - وترهقهم ذلة -
( القاسطون ) الكافرون الجائرون عن طريق الحق . وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن الحجاج قال له حين
أراد قتله : ما تقول في ؟ قال : قاسط عادل ، فقال القوم : ما أحسن ما قال حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل ،
فقال الحجاج : يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا ، وتلا لهم قوله تعالى - وأما القاسطون - وقوله - ثم الذين كفروا
بربهم يعدلون - وقد زعم من لا يرى للجن ثوابا أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم وكفى به وعدا أن
قال - فأولئك تحروا رشدا - فذكر سبب الثواب وموجبه ، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثبت الراشد