تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
الله أحدا . وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا . وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا .
شرح
يقال لمسه والتمسه وتلمسه كطلبه وأطلبه وتطلبه ونحوه الجس ، وقولهم جسوه بأعينهم وتجسسوه ، والمعنى : طلبنا بلوغ السماء استماع كلام أهلها . والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام ولذلك وصف بشديد ، ولو ذهب إلى معناه لقيل شدادا ، ونحوه : * أخشى رجلا أو ركيبا غاديا * لان الرجل والركب مفردان في معنى الرجال والركاب . والرصد مثل الحرس اسم جمع للراصد على معنى ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع ، ويجوز أن يكون صفة للشهاب بمعنى الراصد ، أو كقوله : ومعي جياعا : يعنى يجد شهابا راصدا له ولاجله فإن قلت : كأن الرجم لم يكن في الجاهلية وقد قال الله تعالى - ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين - فذكر فائدتين في خلق الكواكب التزيين ورجم الشياطين . قلت : قال بعضهم : حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إحدى آياته ، والصحيح أنه كان قبل المبعث ، وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية ، قال بشر بن أبي حازم : والعير يرهقها الخبار وجحشها * ينقض خلفهما انقضاض الكوكب وقال أوس بن حجر : وانقض كالذي يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا وقال عوف بن الخرع : يرد علينا العير من دون إلفه * أو الثور كالدرى يتبعه الدم ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع الاستراق أصلا . وعن معمر : قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال نعم ، قلت : أرأيت قوله تعالى - وأنا كنا نقعد - فقال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم . وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار فقال : ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ؟ فقالوا : كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم " وفي قوله ملئت دليل على أن الحادث هو المل ء والكثرة