ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور . الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى
في خلق الرحمن من تفاوت
شرح
خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه ، والمعنى : خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ( ليبلوكم ) وسمى
علم الواقع منهم باختيارهم بلوى وهى الخبرة استعارة من فعل المختبر ، ونحوه قوله تعالى - ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين
منكم - فإن قلت : من أين تعلق قوله ( أيكم أحسن عملا ) بفعل البلوى ؟ قلت : من حيث إنه تضمن معنى العلم
فكأنه قيل : ليعلمكم أيكم أحسن عملا ، وإذا قلت : علمته أزيد أحسن عملا أم هو ، كانت هذه الجملة واقعة
موقع الثاني من مفعوليه كما تقول : علمته هو أحسن عملا . فإن قلت : أتسمى هذا تعليقا ؟ قلت : لا إنما التعليق
أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعا كقولك : علمت أيهما عمرو وعلمت أزيد منطلق ، ألا ترى أنه لا فصل
بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به ولو كان تعليقا لافترقت
الحالتان كما افترقتا في قولك : علمت أزيد منطلق وعلمت زيدا منطلقا أحسن عملا . قيل أخلصه وأصوبه لأنه إذا
كان خالصا غير صواب لم يقبل وكذلك إذا كان صوابا غير خالص : فالخالص أن يكون لوجه الله تعالى ،
والصواب أن يكون على السنة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه تلاها فلما بلغ قوله - أيكم أحسن عملا - قال :
أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " يعنى أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه . والمراد
أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه ، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار
العمل الحسن على القبيح ، لأنه وراءه العبث والجزاء الذي لابد منه . وقدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس
داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه ، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم ( وهو العزيز )
الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ( الغفور ) لمن تاب من أهل الإساءة ( طباقا ) مطابقة بعضها فوق بعض ،
من طابق النعل إذا خصفها طبقا على طبق وهذا وصف بالمصدر ، أو على ذات طباق أو على طوبقت طباقا ( من
تفاوت ) وقرئ من تفوت ، ومعنى البناءين واحد كقولهم : تظاهروا من نسائهم وتظهروا وتعاهدته وتعهدته :
أي من اختلاف واضطراب في الخلقة ، ولا تناقض إنما هي مستوية مستقيمة ، وحقيقة التفاوت عدم التناسب كأن
بعض الشئ يفوت بعضا ولا يلائمه ، ومنه قولهم خلق متفاوت وفى نقيضه متناصف . فإن قلت : كيف موقع
هذه الجملة مما قبلها ؟ قلت : هي صفة مشايعة لقوله - طباقا - وأصلها ما ترى فيهن من تفاوت ، فوضع مكان
الضمير قوله خلق الرحمن تعظيما لخلقهن وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت وهو أنه خلق الرحمن ، وأنه يباهر
قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب ، والخطاب في ما ترى للرسول أو لكل مخاطب ، وقوله تعالى